هيعمل إيه التعليم في وطن ضايع" .. تعددت أسباب العنف المدرسي والنتائج قتل وعاهات مستديمة (2)

الأحد , 08 يناير 2017 , 12:31 م ثقافة وفنون


أرشيفية


جاء من منزله لمدرسته لينعم بتعليم أفضل، فرأى طريقًا أمامه فسار فيه، ولكنه لم يعلم أن ذلك الطريق، من الممكن تكون نهايته، وسيلة من وسائل التعذيب، أو وسيلة للقضاء على أحلامه الصغيرة، أو وسيلة لقتل حلم في مهده، بقتله أو إصابته بعاهة مستديمة، يتذكرها كلما نضج عقله فكريًا وثقافيًا، ليخرج إلى المجتمع شخص مشوه نفسيًا قبل أن يكون عاجز جسديًا.

لم يكن الطفل "إسلام"، صاحب الـ"12" عامًا، والمقيد بالصف الخامس الإبتدائي، أول ضحية للعنف المدرسي، فكانت حياته ثمن عدم كتابته للواجب المنزلي، وبدأت الحكاية بتأخر المدرس عن الحصة وقتًا ليس بالقليل، الأمر الذي جعل الأطفال يلهون ويلعبون داخل فصلهم الدارسي، ليأتي المدرس ويعاقبهم على تأخيره بتعنيفهم، وأمرهم بالوقوف ورفع أيديهم إلى الأعلى مع حمل حقائبهم فوق أيديهم، وبعد وقت ليس بالقليل، عفى المدرس عن من أدى الواجب المنزلي، فما كان من المدرس إلا الاستمرار في عقاب "إسلام"، لعدم تأديته واجبه، الذي لم يستطع المقاومة أكثر، فأرجع يديه إلى وضعها الطبيعي، مما أغضب مدرسه، فانهال على الطفل إسلام ضربًا بـ"الأقلام" دون رحمة، ثم ضربه على رأسه بالعصى، ليسقط "إسلام" أرضًا، فاقدًا للوعي، لينقل إلى المستشفى ويلفظ أنفاسه الأخيرة، ليسجل اسم "إسلام" ضمن قائمة ضحايا العنف المدرسي، بدلًَا من تدوين اسمه في شهادة النجاح كما يرجوا والديه.

واستكمالًا لحلقات "هيعمل إيه التعليم في وطن ضايع" يفتح "الطريق" في حلقة اليوم العنف المدرسي، والذي يكون موجه من المدرس للطالب.

الضرب عقوبة مهينة

فتعرف دراسة "العنف ضد الأطفال في مصر" والصادرة عام 2015، عن منظمة "اليونيسيف" بالتعاون مع المجلس القومي للأمومة والطفولة، العنف الجسدي أو سوء المعاملة الجسدية المرتبطة بالأطفال، بأنه الاستخدام المتعمد للقوة الجسدية ضد الطفل، مما يؤدي أو قد يؤدي إلى إيذاء جسدي للطفل، سواء على مستوى البقاء، أو النمو، أو الكرامة، وتؤكد الدراسة أن اللجنة الدولية لحقوق الطفل بجنيف، في تعليقها العام رقم "7" بأنه أية عقوبة تستخدم فيها القوة الجسدية، وتهدف إلى إلحاق درجة معينة من الألم أو الأذى، مهما قلت شدتهما، وفي الأغلب يتضمن ذلك "الصفع"، "اللطم"، "الضرب على الردفين"، وترى اللجنة أن العقوبة الجسدية في كل الأحوال عقوبة مهينة.


                                                            


الدستور والأطفال


وعلى الرغم من أن الدستور المصري يمنع العنف ضد الأطفال، حيث تنص المادة 80 من الدستور المصري على: "يعد طفلًا كل من لم يبلغ الثامنة عشر من عمره، ولكل طفل الحق في اسم وأوراق ثبوتية، وتطعيم إجباري مجاني، ورعاية صحية، وأسرية ودينية وتغذية أساسية، وتربية دينية ووجدانية ومعرفية، كما تكفل الدولة حقوق الأطفال ذوي الإعاقة، وتأهيلهم واندماجهم في المجتمع، وتلتزم الدولة برعاية الطفل وحمايته من جميع أشكال العنف والإساءة وسوء المعاملة وسوء الاستغلال الجنسي والتجاري، ولكل طفل الحق في التعليم المبكر في مركز للطفولة حتي السادسة من عمره، ويحظر تشغيل الطفل قبل تجاوزه سن إتمام التعليم الأساسي، كما يحظر تشغيله في الأعمال التي تعرضه للخطر، وتلتزم الدولة بإنشاء نظام قضائي خاص بالأطفال المجني عليهم، والشهود، ولا يجوز مساءلة الطفل جنائيًا أو احتجازه إلا وفقًا للقانون وللمدة المحددة فيه، وتوفر له المساعدة القانونية، ويكون احتجازه فى أماكن مناسبة ومنفصلة عن أماكن احتجاز البالغين، وتعمل الدولة على تحقيق المصلحة الفضلى للطفل في كافة الإجراءات التى تتخذ حياله"، إلا أن العنف في مدارس المرحلة الابتدائية يزداد بصفة دورية.


                                                                


العنف ظاهرة مستمرة ومنتشرة

نشرت صفحة "معًا ضد العنف في المدارس لمستقبل أفضل" عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، تدوينة عام 2012، أوضحت من خلالها أن العنف المدرسي شكل نسبة 38,8% من جملة المشاكل السلوكية بين طلاب المدارس.

فيما أوضحت الأمين العام للمجلس القومي للأمومة والطفولة، عزة العشماوي، أن المجلس خلال عام 2014، رصد عدد 133 بلاغًا عنف ضد الأطفال، كانت من قبل المؤسسات التعليمية، فيما جاء عدد البلاغات عام 2013، 156 بلاغ، موضحة أن العنف البدني تصدر تلك البلاغات.

فيما جاء تقرير المركز المصري لحقوق الإنسان، والذي يصدر بشكل ربع سنوي، يوضح أن المركز وثق حوالي 1515 حالة انتهاك لطلاب المدارس، في الفترة من 20 سبتمبر 2015 وحتى يناير 2016، وتنوعت تلك الانتهاكات مابين غياب ترميم المدارس، وإصابة التلاميذ، وحالات عنف من المدرسين ضد الطلاب أثناء الحصص المدرسية.


                                                            


المدارس الحكومية أكثر عنفًا من الخاصة

أكدت دراسة "العنف بين طلبة المدارس الإبتدائية، مدى انتشاره وعوامل الخطورة المؤدية له" والصادرة عن طب عين شمس، للباحثة حنان سعيد عز العرب، ارتفاع نسب أشكال العنف في طلاب المدارس الحكومية عنها في المدارس الخاصة، كما جاء العنف البدني أكثر أنواع العنف شيوعًا، وتمثلت أشكال العنف البدني في صور "الشلطو"، "البصق"، "الضرب بالقلم"، "شد الملابس"، "البكس"، "شد الشعر للبنات".




عنف .. فقتل .. فعاهة مستديمة

وبرصد أبرز الحوادث التي تعرض لها الطلبة في المدارس وخاصة المرحلة الإبتدائية، قضية الطفل إسلام، والذي توفي على أثر ضرب المدرس له على رأسه، وتأتي الحالة الثانية فقدان الطالب أحمد ناصف لعينه بسبب ضرب مدرس الكمبيوتر له بـ"خرطوم بوتاجاز" على عينه، وتشهد المدارس المصرية يوميًا حالات عنف ضد الأطفال.

الأمر الذي أكده رئيس مركز الحق في التعليم، عبد الحفيظ طايل، حيث أوضح أن ظاهرة العنف ضد الأطفال موجودة بصفة مستمرة، ولا تقل، مشيرًا إلى عدم وجود احصائيات بعدد حالات العنف الموجه ضد الأطفال، إلا عن طريق الشكاوى، أو من خلال النشر الصحفي والإعلامي، فتقوم منظمات المجتمع المدني برصدها، مشددًا على أن ظاهرة العنف لا تقل في مصر، فهي مستمرة بصفة دائمة.




علاقات التعليم القائمة على العقاب غير صحيحة

وأظهرت دراسة "العنف ضد الأطفال في مصر" وجود اتجاهين نحو العنف ضد الأطفال في المدارس، فجاء الاتجاه الأول برفض فكرة العقاب الجسدي، بينما كان الاتجاه الثاني بقبول العقاب الجسدي في بعض الحالات، والذي يتمثل في ضرب الأطفال بالعصا على كف يده.


وفي هذا أوضح "طايل" لـ"الطريق" أنه إذا تحكمت السياسات العقابية والعنف، في علاقة الطلبة بالمدرسين لن ينتج عنها أية علاقة تعليم صحيحة، فهي سياسات خاطئة، مشيرًا إلى أن سبب نتائج تلك الدراسة، الجانب الثقافي في المجتمع والذي تربى على العنف، لذلك يحاول إعادة إنتاج العنف مرة أخرى على الأطفال.


                                                         


أنواع العنف المدرسي

كما أوضح، خبير المناهج والمواد التعليمية، سالم الرفاعي، أن العنف في المدارس ينقسم إلى عنف بين طالب وطالب، وعنف مدرس اتجاه طالب، والعكس، مشددًا علر رفض فكرة العنف المدرسي وخاصة الذي يكون من مدرس اتجاه طالب، موضحًا أن الإعلام ساهم كثيرًأ في انتشار أعمال العنف في المدارس.

وهذا ما أكده الخبير التربوي، كمال مغيث، حيث أوضح أنه من أسباب انتشار ظاهرة العنف الإعلام، خاصة نموذج الممثل محمد رمضان، والذي يعتبره الطلاب قدوة إيجابية، موضحًا أن تدهور الثقافة التعليمية، والأبنية المدرسية، ومع توجه الأسرة والمدرسة لإعداد الطلاب للنجاح في الامتحانات دون الاهتمام بالأنشطة الثقافية والرياضية الأخرى، أدى إلى ظهور العنف بين الطلاب، لأنهم غير قادرين على التنفيس عن أنفسهم مما يعطيهم الفرصة لتحقيق ذلك عن طريق العنف اتجاه بعضهم البعض.




العنف .. ممارسة .. أو قانون وقرار

وفي تصريحات، عبد الحفيظ طايل، لـ"الطريق" اتفق مع أوضحه، الخبير التربوي، كمال مغيث، حيث أشار إلى أن ارتفاع كثافات الطلاب في الفصول وصلت إلى ما يزيد عن مئة طالب في الفصل، مما خلق ثقافة المزاحمة على فرص نصيب الطلاب من الدراسة، موضحًا أن العنف المدرسي هو كل السياسات والممارسات، لأن العنف ليس في مجمله العنف الممارس ولكنه يمكن أن يكون قرار أو قانون، فالعنف من الممكن أن يكون ممارسات أو تشريعات تؤدي إلى حرمان الطالب من مؤشرات الحق في التعلم وهي التعبير، والتنظيم، واللعب والترفيه.




حرية التعبير السلمي مفقودة

واتفق كل من الخبير التربوي، كمال مغيث، ورئيس مركز الحق في التعليم، عبد الحفيظ طايل، على ضرورة أن يكون هناك مساحة للأطفال للتعبير عن أنفسهم، والتنظيم، والتعبير السلمي، والترفيه، واللعب، لأنه بحسب ، كمال مغيث، فإن الأطفال من سن السابعة وحتى الثامنة عشر يجب أن يكونوا كثيري الحركة والنشاط، ولذلك يجب توفير ما يتيح لهم التنفيس عن تلك الطاقة دون أذى أنفسهم أو بعضهم البعض، من خلال حصص الألعاب والتربية البدنية، والمسابقات الرياضية.




صورة المدرس وضعف أجره

أكد "مغيث" في تصريحاته، أن سبب زيادة العنف أيضًا في المدارس تدهور صورة المدرس لدى الطلاب، حيث يرى الطالب مدرسه، وهو يعمل كسائق أو بائع للخضار، فانهارت صورة المدرس، وازدادت مظاهر العنف لدى المدرسين والطلاب.

وفي هذا يشير "طايل" في تصريحاته إلى أن ضعف أجور المعلمين يؤدي إلى زيادة العنف، فالمدرس المصري يقوم بعمل مضاعف، حيث يقوم ببذل جهد يساوي 150% من الجهد الذي بذله نظيره العالمي، في حن يتقاضى أجر 1\8 من الأجر العاملي، لأن متوسط الكثافات عالميًا لا يزيد عن 30 طالبًا في الفصل، ولكن في مصر متوسط الكثافات 45 طالبًا، مما يعني بذل جهد أكبر من المدرسين.




الإدارات الأمنية

وأكد "طايل" لـ"الطريق" إلى أن الإدارة المتسلطة والأمنية للتعليم، تخلق طبقة من التسلط تمنع الطلبة من التعبير السلمي وعن مشكلاتهم وعن أنفسهم ، فينتج أشكال العنف من الأعلى للأدنى، في ورة قرارات وقوانين، والعنف الصادر من قبل المدرسين اتجاه بعضهم واتجاه الطلاب.


يعيق نمو الطفل

ويؤكد أستاذ علم النفس، طه أبو الحسن، لـ"الطريق" أنه إذا أصبح العنف ضد الطلاب في المدارس في مصر ظاهرة، فيجب أن نقول "إن التعليم في مصر عليه السلام"، لأن الضرب في مراحل الطفولة، يعمل على تأخير نمو وإبداع الأطفال بنسبة 38% ، وتحديدًا النمو الإبداعي والذهني الخاص بالأطفال، مشددًا على ضرورة وجود عقوبات رادعة للمدرس الذي يعرض الأطفال للعنف أو الضرب، مشيرًا إلى حظر الإسلام للضرب في المرحلة العمرية الصغيرة، مشددًا على أن الضرب يهلك الإبداع عند الأطفال وينتج شخصيات عديمة الثقة في نفسها.




المدرسة تحض على العنف

وتشير منى أحمد والدة أحد الأطفال في المرحلة الإبتدائية لـ"الطريق" إلى أن ابنها تعرض للضرب من قبل زميله، وعندما طلبت من المدرسة أن تفعل شيئًا للأطفال لعدم ضربهم لبعض، فوجئت بالمدرسة التي تقول "خلي ابنك يضربه زي ما ضربه".

وفي هذا يشير، خبير المناهج، سالم الرفاعي، لـ"الطريق" أن تلك المرسة لم تتلقى أي تعليم في التربية، موضحًا أنه على إدارة المدرسة والأخصائيين التصرف في تلك الحالات، قائلًا: "دي عملت زي مرات الأب، اضربه زي ما ضربك"، موضحًا أنه يجب تحويل تلك المدرسة للشئون القانونية.




غير مهتمين بقضايا التعليم

وتعقيبًا على تلك الواقعة أكد، الخبير التربوي، كمال مغيث، لـ"الطريق" أنه لا يوجد ظروف تمنع العنف، فالعنف موجود بالفعل، بالإضافة إلى عدم وجود مدرسين يحبون التعليم لدرجة بذلهم لجهد كبير في حل المشكلات البينية بين الطلبة، لذلك ينتهي الأمر بـ"اللي ضربك اضربه"، خاصة مع منع المدرسين من ضرب الأطفال، فيتوجهون لذلك الحل السهل، ولكن من الطبيعي أن يأتي المدرس بالطالبين للتعرف على ملابسات المشكلة، معربًا عن أسفه لعدم وجود مدرسين مهتمين بقضايا التعليم.


بيئة عدائية للطفل

وأكد رئيس مركز الحق في التعلم، في تصريحاته لـ"الطريق" أن ذلك يؤكد فكرة عدم وجود بيئة صديقة للطفل في المدارس، ولكنها بيئة عدائية، ونتيجة الكثافة التي تصل إلى 120 طفل، لن يستطيع المدرس، على معالجة المشكلات التي تنشأ بين الأطفال، مما يؤدي إلى أن يصبح المعلم نفسه عنيف.




لقراءة الجزء الأول اضغط هنا.


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*