إبراهيم نوار يكتب لـ"الطريق": إعادة إنتاج الفقروالتفاوت الاجتماعي على نطاق أوسع - 2

الأحد , 08 يناير 2017 , 10:05 ص آراء ورؤى


إبراهيم نوار


كيف فشلت مصر في تحقيق هدف تخفيض الفقر؟

حددت الأمم المتحدة أهدافًا للتنمية في بداية الألفية الحالية لفترة تمتد من عام 2000 إلى عام 2015، وطلبت الأمم المتحدة من كل دول العالم ومنها مصر العمل على تحقيق هذه الأهداف، وكان على رأس أهداف التنمية في الألفية الجديدة تخفيض معدل الفقر إلى نصف ما كان عليه في سنة الأساس 2000، ثم تولى خبراء الأمم المتحدة مع الخبراء المحليين رصد وتحليل النتائج التي تحققت حتى نهاية الفترة الزمنية المحددة، ومن المؤسف أن النتيجة كانت سلبية لمصر فيما يتعلق بمعظم الأهداف التنموية الرئيسية وعلى رأسها تخفيض معدل الفقر إلى النصف، والحقيقة إنه بدلاً من ذلك فإن معدل الفقر حسب الأرقام الرسمية تضاعف تقريبا عما كان عليه! وكأن السياسة الاقتصادية المصرية قد سارت في الاتجاه العكسي تمامًا، لكي تنتج الفقر على نطاق أوسع بدلاً من تخفيضه.

وسوف نعتمد هنا على الأرقام الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إلى جانب أرقام البنك الدولي لكي نرى كيف سارت نتائج السياسة الاقتصادية للحكومات المتعاقبة منذ العام 2000 حتى الآن في الاتجاه العكسي؛ فاتساع نطاق الفقر ليس نتيجة لظروف طارئة، وليس أحد نتائج حالة الاضطراب السياسي والاقتصادي التي تعيشها مصر منذ يناير 2011، وإنما هو حصاد سياسات اقتصادية متصلة لم تتغير منذ عام 2000 على الأقل، وهذا يعني من الناحية السياسية أن طبيعة السياسات الاقتصادية لم تتغير، وإنما تجري عملية منظمة لإعادة إنتاجها بواسطة الحكومات المتعاقبة منذ بدأ برنامج التنمية للألفية الجديدة، وهذا الاستنتاج في حد ذاته يؤكد إن النظام العام لم يتغير وإن السياسات الاقتصادية ما تزال كما هي تجري على المنوال نفسه.

كيف زاد معدل الفقر في مصر

يوضح الجدول التالي تطور معدل انتشار الفقر في مصر طبقا لخط الفقر القومي بدءًا من العام 1999/2000، اعتمادا على إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

جدول (1) تطور معدل الفقر في مصر

نسبة الفقراء/ السنة

1999/2000

2005/2005

2008/ 2009

2010/2011

2012/2013

2015

% من السكان

16.7

19.6

21.6

25.2

26.3

27.8

إن معدل انتشار الفقر زاد خلال الفترة من 2000 إلى 2015 بنسبة 66.5% أي بمعدل زيادة سنوية يصل إلى 4.4% تقريبا، وهذا يعني أن أعداد الفقراء تزيد سنويًا بنسبة 4.4%، وفي حال استمرار هذه الزيادة فإن عدد من يعيشون تحت خط الفقر في مصر حاليًا يتجاوز 28 مليون مواطن، وقد اتسع نطاق الفقر خلال الـ15 عامًا الماضية على الرغم من كل الشعارات الزاعقة حول برامج الإنفاق الاجتماعي للدولة، ومخصصات إعانات غير القادرين وأصحاب الدخل المحدود، وهذا يعني أن هذه البرامج إما إنها غير كافية أو إنها صورية وفاسدة وغير ذات قيمة، وهذا ما يجعلها في كل الأحوال برامج فاشلة.

ويجدر بالذكر أن المعدلات السابقة محسوبة على أساس خط الفقر القومي الذي يقدره خبراء الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بناء على بحوث الإنفاق والاستهلاك للأسرة المصرية والتي يجري إعدادها منذ الخمسينات، وتبلغ قيمة خط الفقر القومي في العام 2015 5787.9 جنيهًا سنويًا للفرد بالأسعار الجارية، بما يعادل 482 جنيهًا للفرد شهريًا وهو ما يعادل 15.8 جنيهًا يوميًا (1.7 دولار يوميًا بأسعار 2015 الرسمية للدولار)، وبالتالي فإن الأسرة المكونة من أربعة أفراد تحتاج إلى 1928 جنيها في الشهر حتى تستطيع الوفاء باحتياجاتها الأساسية.

وتبين إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن 51% من الفقراء يعيشون في ريف الوجه القبلي الذي يسكنه 26% من السكان في مصر، وبالمقارنة مع عام 2012/2013 فقد كانت قيمة خط الفقر القومي لإجمالي الجمهورية 3920 جنيها بما يعادل 326.7 جنيه شهريا للفرد (10.7 جنيه أو ما يعادل 1.65 دولار يوميا)

وإضافة إلى حقيقة اتساع نطاق الفقر المطلق، فإن إحصاءات الإنفاق الإستهلاكي تظهر أيضًا حقيقة صادمة تتعلق بتفاوت نصيب الفئات الاجتماعية المختلفة من الإنفاق الاستهلاكي، إن 10% فقط من المستهلكين الأكثر استهلاكًا يستحوذون على ما يقرب من 7 أمثال نصيب الـ10% الأقل استهلاكًا، ويبلغ نصيب الفئة العشرية الدنيا 4% من إجمالي الاستهلاك (مقابل 4.1% عام 12/13) في حين أن نصيب أكثر 10% استهلاكًا يبلغ  27.2% من إجمالي الاستهلاك (مقابل 25.7% عام 2012/2013)، بنسبة زيادة تبلغ 5.8% في حين أن متوسط الزيادة في قيمة الدخل القومي للفرد كانت في حدود 4%، إن المؤشرات الرسمية تقدم الدليل القاطع على أن نصيب الفئات الأدنى من الدخل ينخفض في حين أن نصيب الفئات الأغنى يرتفع.

ويرتفع معدل الفقر في الصعيد عنه في الوجه البحري بسبب سياسات التنمية المتحيزة للعاصمة وللمدن الكبرى في الوجه البحري على حساب الوطن ككل. وتظهر المؤشرات الإحصائية أن ثلثي سكان أسيوط وسوهاج يعيشون تحت خط الفقر، وأكثر من نصف سكان قنا والمنيا يعيشون تحت خط الفقر، أما في الفيوم والأقصر وبني سويف وأسوان، فإن أكثر من ثلث السكان يعيشون تحت خط الفقر، في حين سجلت محافظة بورسعيد أقل معدلات الفقر في مصر (6.7%)، تليها الإسكندرية (11.6%).  

إنحسار الفقر عالميًا

يتم حاليًا احتساب خط الفقر المطلق على المستوى العالمي عند معدل 1.9 دولار أمريكي للفرد في اليوم، وطبقًا للأهداف التنموية للألفية بتخفيض نسبة الفقر على المستوى العالمي إلى النصف في العام 2015 مقارنة بالعام 2000 فإن معدل الفقر على المستوى العالمي انخفض فعلا من 20.37% في العام 2002 إلى 10.68% في العام 2013، وجاء هذا الانخفاض في معدل الفقر استمرارًا للاتجاه العالمي بتخفيض نسبة الفقراء كهدف رئيسي من أهداف التنمية، ويبين الجدول التالي المأخوذ عن إحصاءات البنك الدولي تطور معدل الفقر على المستوى العالمي في العقود الأخيرة.

جدول (2) تطور معدل الفقر على مستوى العالم

السنة

1984

1993

2002

2012

2013

المعدل (%) من السكان

39.06

33.49

25.3

12.42

10.68

ولا يتوقف الأمر عند حد إعادة إنتاج الفقر على نطاق أوسع في مصر بينما نجح العالم في تخفيض معدل الفقر إلى أقل من النصف، بل أن مصر الآن تقع في مرتبة متدنية مقارنة بالدول العربية النامية.وبالمقارنة مع الدول العربية (مع استثناء دول الخليج النفطية) يبدو معدل الفقر في مصر مرتفعا بصورة ملحوظة، حيث يبلغ في الجزائر 5% (2011)، وفي الأردن 14.4% (2010)، وفي تونس 15.5% (2010).وقد نجحت تونس في تخفيض معدل الفقر إلى النصف، من 32.4% إلى 15.5% خلال عشر سنوات حتى عام 2010، في حين زاد المعدل بنسبة 50% تقريبا في مصر خلال الفترة نفسها.

مصر دولة فقيرة

يعاني المصريون بشكل عام من الفقر بسبب السياسات الحكومية الخاطئة، ابتداء من أولويات التنمية إلى كيفية توزيع الدخل القومي، والاعتماد المفرط على القطاعات الريعية وعلى المساعدات الأجنبية، وهذه المعاناة ليست مجرد حكم قيمي أو أخلاقي، وإنما هي حقيقية مادية إذا ما استخدمنا أيا من مؤشرات التنمية الرئيسية على مستوى العالم، وحتى نستطيع حساب مستوى فقر المواطن المصري، فإننا سنقارن متوسط دخله السنوي بمتوسط الدخل السنوي للمواطنين في أرجاء العالم ككل، وتعطينا إحصاءات البنك الدولي صورة حقيقية فيما يتعلق بهذه المقارنة.

جدول (3) تطور متوسط الدخل القومي للفرد في مصر مقارنة بالمتوسط العالمي (بالأسعار الجارية للدولار الأمريكي)

متوسط الدخل/ السنة

2000

2005

2010

2015

المتوسط العالمي

5454.3

7319.7

9364.4

10510

مصر

1420

1240

2390

3340

مصر % من المتوسط العالمي

26

17

25

32


المصدر: البنك الدولي، ونصيب مصر من المتوسط العالمي محسوب من إحصاءات الجدول بواسطة الكاتب.

http://data.worldbank.org/indicator/NY.GNP.PCAP.CD

http://data.worldbank.org/indicator/NY.GNP.PCAP.CD?locations=EG

وتظهر بيانات الجدول (3) انخفاض متوسط الدخل القومي للفرد في مصر عن المتوسط العالمي بنسبة كبيرة، فدخل الفرد في مصر هو على أحسن تقدير في الوقت الحالي يكاد يقترب من ثلث المتوسط العالمي، في حين إنه على مدار الفترة منذ بداية القرن الواحد والعشرين يعادل فقط 25% تقريبا من متوسط الدخل القومي للفرد على مستوى العالم. 

وهذا يعني ببساطة أن المصري فقير مقارنة بغيره من مواطني العالم، وترتبط تغيرات متوسط الدخل القومي للفرد في مصر بعائدات القطاعات الريعية بشكل أساسي وليس بالإنتاجية الكلية للفرد، كما ترتبط أيضا بالزيادة في معدل نمو الإستهلاك وليس بمعدل نمو الإنتاج. ونظرًا لنقص معدلات الإدخار في مصر، بسبب الفقر وأسعار الفائدة السلبية، فإن معدل نمو الدخل القومي للفرد يرتبط أيضًا بتدفق المساعدات الأجنبية (المنح والقروض) والتحويلات الخاصة وأهمها تحويلات المصريين العاملين في دول الخليج النفطية.

إن تعويم الجنيه سوف يضيف أعباءا كثيرة على المواطنين، وسوف تستمر تداعيات تدهور قيمة الجنيه خلال العام 2017، خصوصا على محدودي الدخل، بينما تستفيد فئات كثيرة من السياسات الاقتصادية الحالية، وسوف نبين في مقال تال كيف سيؤدي تخفيض سعر العملة المحلية إلى تشويه هياكل الإنتاج والدخل والتجارة، وإلى زيادة الاعتماد على تمويل الاستهلاك المحلي (محرك النمو في مصر) من مصادر خارجية غير مستقرة.


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*