شريف العصفوري يكتب لـ الطريق: 6 اقتراحات لتنمية الصناعة والتجارة والخدمات في مصر (1)

الأربعاء , 11 يناير 2017 , 04:10 م آراء ورؤى


شريف العصفورى


كتب كتاب كثيرون و كتبت أنا في "الطريق" وفي غيرها مقترحات كثيرة لتنمية الأعمال في مصر، كما كتب كتاب آخرون في الصحف والدوريات من عقود طويلة على مشروعات كثيرة منها الواقعي ومنها الخيالي أو مما يقترب من الأحلام .

سأكتب ابتداء من اليوم ستة اقتراحات عمليًا لتنمية الصناعة والتجارة والخدمات، واضعًا أمام أعيني وأعين القارئ مجموعتين من المشكلات أو التحديات، المجموعة الأولى وهي البطالة وضعف التشغيل وتدني الإنتاجية.

(مع علاقتها بالتنمية البشرية : صحة و تعليم)، المجموعة الثانية من المشكلات هي الزيادة البشرية السريعة و الكبيرة والتي تعجز الإمكانات والسياسات عن استيعابها أو التعامل معها، أريد هنا جعل الطلب على السكن فرصة للتشغيل والنمو وليست مشكلة نقف عاجزين أمامها.

أدواتي في تنفيذ المقترحات هي بالأساس تلتزم بالتكلفة المالية الأدنى على الحكومة وقطاع الأعمال العام إن لم يكن رفع ربحيتها وزيادة إنتاجيتها، الشراكة وتضافر الجهود بين القطاع الخاص والعام، تقديم دور الأبحاث العلمية والهندسية العملية لتقديم حلول عملية وربطها ربطًا مباشرًا بالمشكلات الملحة الآنية.

أولاً :-  الاقتراح الأول صناعة البناء والإنشاءات والإسكان

بعد دراسة عملية وإحصاءات الطلب والعرض في تلك المشكلة يهمني إستعراض المعطيات ، في مصر حتى عام 2015، 26 مليون وحدة سكنية، 43% بالحضر ( المدن) والباقي وحدات ريفية ، 25% من الوحدات السكنية في المدن دون المستوى الأدنى للاحتياجات والمعايير للسكن، طاقة البناء القصوى الحالية حوالي 500 ألف وحدة سنويًا، ربعها أيضًا غير منتظم وعشوائي ( مصطلح :Informal )، لا تبني شركات الحكومة وقطاع الأعمال العام أكثر من 145 ألفًا وحدة سنويًا، يخطط لها أن تصير بمعدل 250 ألف وحدة سنويا . و هكذا فإن القطاع الخاص يقوم ببناء بحوالي 60% ( المنظم و المخطط)  أو أكثر .

يزيد الطلب سنويًا، وبافتراض سوق صحي وطبيعي، يجب بناء 700.000 – مليون وحدة سنويًا، المتوسط الهندسي (median ) لأعمار الوحدات السكنية هو 38 سنة وعلى افتراض أن العمر الافتراضي هو 50 سنة، فإنه يتوجب بناء 4 مليون وحدة سكنية استعواضية فقط خلال العقد المقبل، بالإضافة إلى الطلب الجديد، ففي دراسة للمعونة الأمريكية قدرت أن الإجمالي الوحدات المغلقة هي 6% ( سوق العارضين)، وتزيد نسبة الإغلاق في المدن الجديدة إلى 75% من الوحدات، بينما نسبة الإغلاق في وحدات الإيجار القديم هي 15%.

السوق الصحي للعقارات يجب أن يكون فائض العرض عن الطلب 20-25% . فكرتي هي استخدام الطلب الكبير على الوحدات السكنية هي لبناء صناعة بناء وتشييد بمعايير عالمية، تتمتع فيها شركات البناء بسوق عالي الربحية والتنافسية وتستطيع منه أن تكون صناعة تصديرية "حقيقية".

المقترحات :- 

1- جعل إجراءات ترسية المناقصات والمزايدات العمومية والخاصة علنية على الشبكة العنكبوتية، وأن تكون كذلك حيثيات الإرساء علانية بالقانون، وأن تعلن مواعيد التسليمات وأقساط التسويات والمستخلصات في جدول زمني علني، كل ذلك بتعديل القانون ولائحته التنفيذية.

2- إلزام الحكومة و وحداتها المحلية و ما في حكمهما ألا تتأخر في تسوية المستخلصات عن 90 يومًا وأن تتحمل فوائد التأخير طبقًا لأسعار الفائدة المدينة الجهة صاحبة إسناد الأعمال، ( متوسط حالي 15 شهر). ذلك سيشجع شركات كثيرة على المنافسة لنيل العقود الحكومية وتعرض عن ذلك الآن.

3- إنشاء الهيئة المصرية لمعايير البناء والتشييد *( بالتوازي مع الهيئة المصرية للمواصفات القياسية )، وألا يقوم بأعمال البناء و التشطيبات إلا صنايعية محترفون بشهادات مزاولة نتيجة للإختبار مع اعتبار السوابق المهنية، كما تقوم الهيئة الجديدة بعمل معايير ومواصفات لأعمال التشطيبات ( النجارة – السباكة – الكهرباء – الحمامات و المطابخ = standard , modular ) بحيث تستطيع مصانع القطاعين العام و الخاص إنتاج وحدات معيارية يستبدل فيها العمالة "الحرفية Artisan" بعمالة فنية "Line Production " ، وذلك لتخفيض تكلفة البناء و رفع مستوى التشطبيب.

4- كما تقوم نفس الهيئة* بوضع المعايير والاشتراطات لتوصيف المنشئات الجاهزة ( سوبر لوكس – لوكس – متوسط – اقتصادي – قليل التكلفة و هكذا )، بحيث لا يسمح للتسويق و بيع وحدات سكنية دون مقابلة تلك المعايير.

5- إلزام  وحدات الترخيص للبناء المركزية والمحلية بعدم الترخيص إلا للبناء بالمواصفات القياسية والمستويات المعيارية وربما عمل تخفيضات في الرسوم الحكومية للبناء بالوحدات "المعيارية" لتعظيم الطلب على المنتوجات المعيارية ( الشبابيك و الأبواب – الحمامات-المطابخ- وحدات الكهرباء) و للبناء بنظم صديقة للبيئة و قليلة استخدام الطاقة موادًا و تصميمًا.

6-  معالجة إدارية حازمة لأمراض قطاع الإنشاء التي تؤدي إلى خفض مستويات النوعية، واستمراء الفساد، وتردي الإنتاجية والفعالية، وتشخيص تلك الأمراض بنظري هي :

· سوء تقدير التكاليف أو القيام بمشروعات دون اعتماد ميزانيات كافية بالمستويات القياسية اللازمة والمطلوبة.

· إرساء المناقصات بأسعار "ظاهريًا" قليلة أو منخفضة ولكنها تؤدي حتمًا في النهاية لفساد العمليات وتخريب السوق لصالح الشركات الكبرى التي تمتلك القدرة على تمرير التنفيذ دون المستويات المعيارية ، و تحمل تأخر و تلكؤ جهات الإسناد بدفع المستخلصات .

المراجعة المستمرة للمستويات النوعية للإنشاءات و إصدار نشرات عامة يقرأها سكانها وجيرانها ، بتقرير عن الحالة الإنشائية ومدى مطابقتها لمستويات الجودة والأمان و ملائمة أداء الغرض المنشـئة من أجله.

· عمل قوائم سوداء لشركات الإنشاء والمكاتب الإستشارية ومكاتب إدارة المشروعات وتنفيذها التي تتكرر معها مشاكل التصميم والتنفيذ والتسليم ومنع التعامل معها حكوميًا، واسترشاديًا سيقوم القطاع الخاص بالتقليد .

7-   وقف بيع الأراضي في المجتمعات العمرانية الجديدة والمدن الجديدة بطريق البيع النهائي والاستعاضة عنه بحق الاستغلال طويل الأجل 99 سنة، و أن يراعى في العقود الأغراض المزمع عملها ( سكني – تجاري – إداري- صناعي) وتسعير ذلك بما يوفر التحفيز أو التعجيز حسب الحالة، والتماشي مع نسب زيادة الإيجارات والتضخم ومعدلات النمو، مع تعديل وعمل التشريعات اللازمة بحيث تصير عقود الاستغلال الحكومية قابلة للتنازل أو البيع أو الرهن وضمان عمولات للدولة في كل المعاملات عليها.

8-  طرح مشروعات النقل الجماعي بطريق ( القطارات السريعة – القطارات الخفيفة المكهربة) بنظم BOT و  PPPأو غيرها من النظم التي تسمح بإنشاء وسائل المواصلات الحديثة الواجب توافرها دون تكلفة استثمارية على الدولة وإدارتها بأساليب اقتصادية بعيدًا عن أساليب الإدارة الحكومة الخاسرة والفاشلة حتى الآن، وكما المتبع فإن جزء من التكلفة / الأجرة للقيام بتلك الأعمال قد يكون حق استغلال للأراضي حول السكك الجديدة ( القاهرة / 10 رمضان – القاهرة / 6 أكتوبر – القاهرة / الإسكندرية غرب الصحراوي- الإسكندرية/ الأقصر غرب الصحراوي ) .

9- بدأت مصر إنشاء المدن الجديدة سنة 1975، وأنشأت ثلاثة أجيال من المدن ( مدن ساتلايت شاملة مثل 10 رمضان – مدن سكنية للامتداد العمراني مثل النوبارية- مدن الجيل الثالث مثل القاهرة الجديدة) إلا أنه إجمالي عدد سكان كل المدن الجديدة هو 5 مليون نسمة، بينما يزيد عدد سكان مصر حاليًا 2 مليون سنويًا، يبدو أن إقليم القاهرة الكبرى ( القاهرة- الجيزة- القليوبية) والذي يقدر عدد سكانه حاليًا بـ20 مليون نسمة، مرشح للزيادة في ضوء امتداد القاهرة حتى مدينة بدر و 15 مايو وتوسعات مدينة 6 أكتوبر، بالإضافة للعاصمة الإدارية الجديدة، المشكلة الجوهرية في المدن الجديدة هو الإجابة على "ماهو النشاط الاقتصادي المؤسس ؟؟ "، ولذلك اقترح نقل كل المصانع الحكومية القديمة للغزل والنسيج ( المحلة- كفر الدوار- كفر الزيات- الإسكندرية ) من الدلتا والإسكندرية إلى مدينة صناعية للغزل والنسيج تكون  جنوب "العلمين الجديدة" ، وتنقل معها الكثافات السكانية من الدلتا إلى خارجها والاستفادة من فارق سعر الأراضي لتمويل تحديث صناعة الغزل والنسيج، على أن تكون التجربة تحت الدراسة لتكرارها مع الصناعات الأخرى إما الملوثة أو التي أحاط بها الامتداد العمراني.

10- تكليف المكتب العربي للتصمميات والإتشارات الهندسية، بعمل رسومات قياسية ومعيارية لكافة استخدامات الحكومة المركزية والمحليات، وجعل استخدام تلك التصمميات "إجباريًا" لتصميم المباني العامة وتعديل ذلك حسب الإشتراطات والمواصفات القياسية للهيئة المقترحة *، ( المكتب العربي كمثال لمكتب هندسي حكومي يراعي أحدث الأساليب و الأفكار الهندسية ) .

11- تخصيص مبالغ مالية من حصيلة رسوم على المنشئات والمباني لتخفيز البحوث العلمية التطبيقية التي تؤدي إلى تخفيض تكلفة العمالة في صناعة البناء سواء بالميكنة أو زيادة الكفاءة والفعالية، وتحصيل رسوم براءات الإختراع التي تنتجها تلك البحوث التي مولتها الموازنة العامة، هناك مجالات عديدة تنتظر البحوث العلمية مثل : تقليل وزن المواد المستخدمة في البناء وتخفيض تكلفة النقل والفواقد، الوصول الى الحل الأمثل لخفض مكونات الأسمنت وحديد التسليح ( بخفض عدد الطوابق ، المتوسط الهندسي لعدد الطوابق حاليا 4)، استخدام تقنيات العزل الحراري والمواد صديقة البيئة والأقل استخدامًا للطاقة وغيرها كثير.

12- إعادة الحياة لمشروعات الصناعة للمباتي سابقة التجهيز أو الجاهزة، لأن مجمل المقترحات يصب بالأساس في تحويل صناعات البناء من صناعة "حرفية " و" مفردة المشروع "، إلى صناعة كثيفة، إنتاج غزير ومتعددة الاستخدامات، عالية الجودة وبثقة عالية في الجودة والتنفيذ .

13- يتبقى مشكلة كبرى في صناعة الإنشاءات، وهو عدم وجود نظام مصرفي لتمويل شراء الوحدات السكنية وغيرها، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار الفائدة المدينة لأسعار قياسية، وهي أن نظم التقسيط ( تأدبًا) الحالية هي في حقيقة الأمر PAY AS YOU GO ، بمعنى الأقساط تتوازى مع نسب الانتهاء من الإنشاءات وتقريبًا تنتهي الأقساط مع التسليم النهائي (نصف تشطيب: محارة أو طوب أحمر)، التمويل العقاري الحقيقي هو أن تستلم وحدتك السكنية جاهزة للسكنى "الآن" وأن تدفعها ثمنها على 15-20-30-40 سنة، النظام يحتاج إلى دعم مالي حكومي مخطط خصوصًا في سعر الفائدة، بالمقابل لا تمثل الثروة العقارية المصرية أية موارد للدخل الضريبي ، أتعجب حقيقة كيف نجحت الدولة في وقف تنفيذ الضريبة العقارية ووأدته تمامًا !!!! وإلى هنا انتهي من مقال اليوم لنبدأ من تلك النقطة في الجزء الثاني .



مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*