عبد المجيد أبو العلا يكتب لـ"الطريق": 10 أوجه لمعركة تيران وصنافير.. ليست قضية الأرض وحدها

الأربعاء , 11 يناير 2017 , 11:17 ص آراء ورؤى


عبد المجيد أبو العلا


"إن الذين يقاتلون يحق لهم أن يأملوا في النصر" يمكن لتلك الجملة، التي صاغها جمال عبدالناصر منذ عقود، أن تكون شعارًا للمدافعين عن مصرية جزيرتي تيران وصنافير، خصوصًا أن معركة بطلان ترسيم الحدود قضائيًا شارفت على الانتهاء، بعد أن حفظت الإدارية العليا الحكم لجلسة 16 يناير، التاريخ الذي من المحتمل أن يكون بداية لمرحلة جديدة في عمر تلك القضية، أو أن يسدل الستار عليها.

هناك جملة تاريخية تقول إن النصر له مائة باب، تتحدث عن أسباب النصر، التي تتعدد ويتعدد أبطالها، لكن في تلك المعركة، فإن أبواب النصر ليست أسبابه وأشخاصه، بل إن التعدد في الجبهات والمعارك الكثيرة، التي جمعت تحت اسم قضية تيران وصنافير، فتلك القضية لا تدافع عن التراب الوطني المقدس فقط، بل امتدت لقضايا أخرى، تحت لواء تلك القضية العامة.

(1)
"معركة لاحترام الدستور"

تعد معركة الدفاع عن جزيرتي تيران وصنافير، معركة للدفاع عن الدستور، الذي نص في مادته الأولى على وحدة أراضي وسيادة الدولة المصرية، التي لا تقبل التجزئة، كما نص في المادة 151 على شروط عقد الاتفاقيات السيادية، ونظّم ضرورة الاستفتاء الشعبي، تلك المادة التي منعت بكل الطرق التنازل عن أي قطعة من أراضي الدولة.

بعبارة مهمة، صاغها أحد المواطنين في مؤتمر أخير لعدة أحزاب: "الشعب يريد تطبيق الدستور".

الدفاع عن مصرية الجزيرتين، إنما يحمل في مضمونه دفاعًا عن الدستور ومواده ورفض تجاوزه، حيث يطالب المدافعون عن الجزيرتين بالاحتكام للدستور، والتفسير الصحيح لمواده.

(2)
"معركة مبدأ الفصل بين السلطات"

فور إرسال مجلس الوزراء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية المصرية السعودية إلى مجلس النواب، استعدادًا لمناقشتها، هاجت القوى الوطنية ورفضت بشدة هذا الإجراء.

هذا الرفض، كان في جوهره رفضًا لتغول السلطة التنفيذية على سلطات السلطة القضائية، وفي القلب منها مجلس الدولة، بمواقفه التاريخية، ورفضًا لوضع السلطة التشريعية في مواجهة السلطة القضائية.

استنكار القرار، كان رفضًا واضحًا لاستباق حكم المحكمة الإدارية العليا، الذي تحدد له 16 يناير، وهو دفاع عن صلاحيات القضاء الإداري، وحقه في النظر في بطلان الاتفاقيات الحكومية، ما دفع أحد أكبر أساتذة العلوم السياسية في مصر، للتعجب من هذا الإجراء، الذي يمكن أن يخرج اتفاقية "صحيحة تشريعيًا وباطلة قضائيًا" على حد وصفه.

تصرفات القوى الوطنية نفسها حملت تطبيقًا عمليًا لمبدأ الفصل بين السلطات، بالاعتراض على قرار السلطة التنفيذية بتوقيع الاتفاقية، عبر الاحتجاجات ووسائل الضغط والتظاهرات، كما لجأت للسلطة القضائية لإبطال الاتفاقية، ونسقت مع النواب للدفاع عن القضية، تحت قبة البرلمان.

(3)
"معركة للدفاع عن الديمقراطية"

الديمقراطية أن يحكم الشعب نفسه بنفسه ولنفسه، وأن يمتلك حق تقرير مصيره، وتتعلق بالرضا العام والشفافية، ما سقط في تلك القضية، حينما فاجئت السلطة التنفيذية جموع المواطنين بتوقيعها على الاتفاقية، رغم اعترافها بأنها خضعت لنقاش وتفاوض قبل التوقيع بفترة.

استئثار السلطة التنفيذية بالقرار، كان تغولًا على مبادئ الديمقراطية، وحق الشعب في المعرفة، والحكم والتقرير.

البعض يخوض معركة بطلان اتفاقية ترسيم الحدود، ليس من منطلق الدفاع عن أراضي الموطن أو الأمن القومي، بل من مدخل ديمقراطي يتعلق بحق الشعب في أن يناقش ما يتعلق بوطنه وأراضيه، وأن يكون للشعب القرار، ولا يتفاجئ به من السلطة التنفيذية، بمعنى أدق إعطاء سلطة القرار لصاحب الحق.

(4)
"معركة ضد توسيع كامب ديفيد وإعادة ترتيب أوضاع المنطقة"

من المعروف، أنه إذا تم تنفيذ الاتفاقية، فإن المملكة السعودية تدخل طرفًا في اتفاقية السلام بين مصر و"إسرائيل"، كما يتحول مضيق العقبة من ممر مائي داخلي، تتحكم مصر فيه، إلى ممر دولي، ما يُفقد مصر سلاحًا استراتيجيًا مهمًا في الصراع العربي الصهيوني.

الدفاع عن ملكية مصر لجزيرتي تيران وصنافير، دفاع عن مضيق العقبة، ورفض لإجراءات إعادة ترتيب أوضاع المنطقة، التي تحاول تثبيت الغلبة للكيان الصهيوني، وتجريد القوى العربية -على رأسها الجمهورية المصرية- من أسلحتها.

بكلام آخر، فإن المدافعين عن مصرية الجزيرتين، يرفضون سياسات السلام الدافئ، ويدافعون عن مصادر القوة المصرية الباقية، إذا ما زالت الأنظمة وسياساتها.

(5)
"معركة للدفاع عن الأمن القومي المصري"

الدفاع عن مصادر القوة المصرية، ورفض إعادة ترتيب الأوضاع لصالح الدولة العبرية، لا يعد عملًا عروبيًا يستند للمبادئ فحسب، بل عملًا استراتيجيًا وأمنيًا، ينظر لإمكانات الدولة المصرية وأسلحتها، ويحافظ على أمنها القومي في مواجهة أعدائها التاريخيين.

من المعروف أن لهاتين الجزيرتين ولمضيق العقبة، أهمية استراتيجية كبرى، بالتالي فإنه من منظور أمني، فإنها معركة للدفاع عن الأمن القومي المصري، ليست أقل من المعارك العسكرية.

(6)
"معركة للدفاع عن وجدان وذاكرة هذا الشعب"

يولي باحثو علم السياسة وعلم الاجتماع، لإقليم الدولة أهمية خاصة، ليس لأنه أحد أركان قيام الدولة، التي لا يتصور قيامها دونه، مهما أوتيت الجماعة البشرية من قوة فحسب، بل لأن له قيمة وجدانية، ترتبط بالهوية الوطنية، لأن تلك الأرض تضم تراث وذكريات مراحل تاريخ هذا الشعب، وتمنحه شعورًا بالأمان.

لذلك، فإن الدفاع عن جزيرتي تيران وصنافير، دفاع عن الهوية المصرية، وما شهدته هاتان الجزيرتان من ذكريات تشهد على مراحل تاريخ ونضال هذا الشعب، ودفاع عن إقليم الدولة وشعور الأمان، الذي يسببه.

(7)
"دفاع عن أراض مصرية"

هي معركة للدفاع عن جزء من أراضي الوطن، لا تختلف عن المعارك العسكرية، التي تحمي إقليم الدولة من الاعتداء والاحتلال الخارجي، فهي معركة لتثبيت السيادة المصرية على الجزيرتين، تحمل رفضًا للتخلي عن أي قطعة من أراضي الدولة المصرية، وتسعى للحفاظ على كامل التراب الوطني المقدس، دون تفريط، كحال المعارك العسكرية، التي تدافع عن الحدود.

(8)
"دفاع عن موارد اقتصادية"

تشكل هاتان الجزيرتان بموقعهما الجغرافي وطبيعتهما الخلابة، موردًا اقتصاديًا مهمًا، سواء في مجال السياحة، أو مجال مصادر الطاقة، حيث من المتوقع أن تشهد المنطقة المحيطة عمليات تنقيب كبرى، بذلك فإن الدفاع عن تيران وصنافير، دفاع عن أحد مصادر الموارد الاقتصادية المصرية، حتى إن كانت إدارة الدولة لا تُحسن استغلالها.

(9)
"دفاع عن دماء الشهداء وشرف العسكرية المصرية"

على جزيرتي تيران وصنافير، تمركزت كتائب من الجيش المصري للدفاع عنها، كأرض مصرية وبوابة شرقية لمصر، ودارت معارك دافع فيها الجنود المصريون عن مواقعهم على هذه الجزر، وحموا ترابها الوطني، وعليه فإنه فوق الدفاع عن التراب الوطني، يضاف إليه شرف الحفاظ على الدماء المقدسة، التي روت هذه الأرض للدفاع عنها، فاحترام دماء الشهداء، يكون بالحفاظ على ما استشهدوا من أجله، كما أن المعركة ليست فقط دفاعًا عن دماء الشهداء، وحفاظًا على ما حافظوا عليه، بل دفاعًا عن شرف العسكرية المصرية، أمام من يروجون بأن جنودنا عملوا كمرتزقة، يدافعون عن أراضي الغير، مقابل الأموال دون علمهم.

الدفاع عن ملكية مصر لتيران وصنافير، دفاع عن العسكرية المصرية، وعن دماء الشهداء التي روت تراب الجزيرتين دفاعًا عنهما.

(10)
"تأكيد للوحدة التاريخية للحركة الوطنية"

في وقت كثر فيه انتقاد القوى السياسية واتهامها بالتشرذم وعدم قدرتها، على خوض المعارك السياسية في هذا المجال العام المختنق، أتت قضية تيران وصنافير لتفتح رهانًا تاريخيًا على أن الحركة الوطنية، رغم تعدد وجهاتها وأفكارها، لكنها إبان المعارك الوطنية الحاسمة -وعبر التاريخ- تتوحد خلق القضايا الوطنية، متناسية خلافاتها، متوحدة للدفاع عن وطنها.

إن الدفاع عن تيران وصنافير، دفاع عن العقل الجمعي المصري، وعن مبادئ السياسة المصرية، التي تقول بوحدة الحركة الوطنية في وقت المعارك الحاسمة، إنه ليس فقط دفاعًا عن الجزر المصرية، لكنه أيضًا دفاع عن الوطنية الجامعة المصرية، وعن الحركة الوطنية.

أخيرًا، وحيث إن الحياد في وقت المعارك الوطنية الكبرى يقع بمكانة الخيانة والتخاذل، فإن تيران وصنافير جزيرتان مصريتان بحكم الدم والتاريخ والجغرافيا والشعب، قبل وبعد أحكام القضاء.

وحيث إننا أبرزنا 10 أوجه لقضايا ومعارك، على هامش معركة ملكية مصر لجزيرتي تيران وصنافير، لذا فإن المدافعين عن الجزيرتين، إنما يدافعون عن كل تلك المبادئ والقيم، ويخوضون كل تلك المعارك في نفس الوقت، ولهم أن يأملوا في أن ينتصروا في كل تلك المعارك، يقينًا في عدالة ومشروعية كل تلك القضايا، فالقضية ليست قضية الأرض وحدها.


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*