"رفسنجاني" بين سيناريو الاغتيال والموت.. إيران على شفا حرب تكسير للعظام

الجمعة , 13 يناير 2017 , 09:33 ص السياسة


نعش "رفسنجاني"


شيع عشرات الآلاف في جامعة طهران يوم الثلاثاء، جنازة الرئيس الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني، في صلاة أمهم فيها المرشد الإيراني علي خامنئي، بمسجد جامعة طهران، قبل دفنه في ضريح الخميني، بحضور عدد كبير من الشخصيات السياسية والعسكرية من مختلف الانتماءات.

 

 

سيناريوهات الوفاة

 

وعقب دفن "هاشمي" سادت حالة من التكهنات بين الأوساط الإعلامية الإيرانية بشأن سبب وفاته، ففي الوقت الذي أعلنت فيه السلطات الرسمية وفاته جراء تعرضه لأزمة قلبية، أشارت فيه مواقع إصلاحية لاغتياله.

 

فأعلن موقع "آمد نيوز AmadNews" الإصلاحي، المقرب من الحركة الخضراء، عبر قناته بموقع التواصل الاجتماعي "تليغرام"، عن وجود معلومات تفيد باغتيال "بايولوجي" لرفسنجاني بالكيمياوي"، عززت من تلك النظريات تصريح وزير الصحة الإيراني، حسن قاضي، لوكالة "إيسنا"، التي أشار فيها إلى أن الفريق الطبي الخاص بـ"هاشمي" لم يكن برفقته عند تدهور صحته ونقله إلى المستشفى، وأنهم وصلوا متأخرين بعد فوات الأوان.

 

 

أما موقع "آفتاب نيوز" الإصلاحي، فأشار إلى وجود إهمال طبي في اللحظات الأولى من تعرض هاشمي رفسنجاني لنوبة قلبية، بينما نقلت بعض المصادر أن الوفاة جاءت لحدوث إهمال طبي، بسبب فصل الأجهزة الحيوية عن "هاشمي".

 

استبعاد نظرية الاغتيال


الباحث بمركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية، أحمد فاروق، استبعد نظرية الاغتيال، وأن الرواية الأقرب الوفاة الطبيعية، كما جاءت في الرواية الحكومية الرسمية، قائلا "كان من الأجدى تصفية كل من مهدي كروبي ومير حسين موسوي، بعد أحداث الحركة الخضراء"، مشيرًا إلى أن النظام يلجأ إلى الإقامة الجبرية مع المعارضين له من داخله، ووضح هذا في التعامل مع كروبي وموسوي وحتى محمد خاتمي، أما عن "رفسنجاني"، فدوره كان محدودًا داخل البنية المؤسساتية للنظام، بحكم التفاعلات الداخلية لمجمع تشخيص مصلحة النظام، بحسب تعبير فاروق.

 

أضاف أن استمرار النظام مرهون باستمرارية السيولة داخله، وتبادل الأدوار بين الإصلاحي والمعتدل والمحافظ، مشددًا على أنهم جميعًا موالون للنظام، لكن تختلف إدارتهم للدولة، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أنه إذا كان الحديث عن اغتيال "رفسنجاني" خوفًا من تأثيره في الانتخابات المقبلة الرئاسية، فهناك من الأساس آليات دستورية وقانونية، كان من الممكن والأسلم للنظام أن يستخدمها، بدلا من الاغتيال الجسدي.

 

الاغتيال وارد


 

أما الكاتب الشيعي اللبناني عماد قمحية، فأكد في مقال نُشر بجريدة "الجنوبية" اللبنانية، أن الحديث عن الوضع الصحي السيء للمرشد الخامنئي، زاد في الآونة الأخيرة، ومعه فتح الباب على مصراعيه، للحديث عن مرحلة ما بعد المرشد، خصوصًا في ظل عدم تعيين نائب له، كما كان حاصلًا أيام ولاية الإمام الخميني، وحتى وصل الأمر للقول إن "الخامنئي" أخر ولي فقيه قد يحكم إيران.

 

أضاف أن هناك رغبة خفية لدى "الخامئني" بتوريث ابنه "مجتبي" وتجهيزه بمساعدة القوى المحافظة، مدعومًا بالحرس الثوري، صاحب الحضور الأقوى على الساحة الإيرانية، ما يجعلنا ندرك أن "رفسنجاني" كان ليشكل العقبة الأقوى أمام وصول "مجتبى" إلى الموقع الأول في الدولة الإيرانية، ويجعل الحديث عن احتمالية اغتياله أمرًا واردًا جدا.

 

وأشار إلى أن "هاشمي" كان الأمل في أن تجري على يديه إصلاحات، طالما كان ينادي بها، ودفع أثمانًا باهظة جدًاوأبناء أسرته، ثمنًا لها، عقب اعتقال ابنته فاطمة رفسنجاني وشقيقها مهدي، المحكوم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات، بتهم الاختلاس وإفشاء أسرار أمنية.

 

خسارة للنظام الإيراني

 

الباحث "فاروق" أكد أن النظام الإيراني يعمل طوال السنوات الماضية على خلق صفوف ثانية وثالثة، مؤمنة بمبادئ الثورة الإسلامية وولاية الفقيه، بالتالي فإنه ليس في خطر، لكن الملاحظ أن تسلسل الأجيال والقيادات موجود في النظام الإيراني، وهو نظام قائم بالفعل على شخصية الولي الفقيه، إلا أنه في النهاية بغير هذا المنصب والسلطات الممنوحة له غير المحدودة، يظل مقيدًا بآليات دستورية، فحتى التدخل الخارجي لإيران في الشؤون الداخلية للدول، له أطر دستورية وتفسيرات قانونية.

 

وتابع أن النظام أدرك انه على شفا شيخوخة، بعد وفاة العديد من أعمدة الثورة، كان أخرهم رفسنجاني، لذا لجأ إلى دعم قواته الأمنية والعسكرية في المقام الأول، حيث وضح ذلك في تجديد دماء الأفرع الرئيسة في الحرس والبسيج، والجيش النظامي، والاعتماد عليهم سيكون أكتر من أي وقت مضى.

 

وأشار إلى أن وفاة "رفسنجاني" بالفعل تمثل فقدانًا لأحد عناصر توازن النظام، لكن لم تفقد خط "الإمام" والثورة، أي المؤمنين بالمبادئ التي وضعها الخميني، وحاليًا هناك جيلان على الأقل موجودان مؤمنان بالثورة، ومبادئها وموالين لخامنئي.

 

 

المستفيد الأكبر

 

أما عن المستفيد الأكبر من وفاة "هاشمي"، فأكد خبير الشؤون الإيرانية، أن تلميذه رئيس الجمهورية الحالي حسن روحاني، صاحب المكسب الأعظم، ففرصته بين صفوف الإصلاحيين والمعتدلين، كذلك بين المحافظين، موجودة على نحو قد يساعده بشكل كبير في انتخابات الرئاسة المقبلة، بل وأبعد من ذلك، وهو القيام بدور رفسنجاني.

 

أضاف أن عليه أولا التقارب مع تيارين، أولا رجال البازار بسبب سلطتهم المادية، والحرس بقوته، مشيرًا أنه ليس مهيأ لذلك، لأن سياسات روحاني الاقتصادية تقوم على الاقتصاد الحر، ما لا يرضي الحرس، لذلك عليه التقدم بخطوات واسعة نحو مؤسسة الحرس، وربما بدأت بوادر هذا الأمر في إقرار البرلمان زيادة المخصصات العسكرية في الميزانية العامة للدولة، في إطار البرنامج السادس للتنمية بنسبة 5% سنويًا.

 

تأثير داخلي وخارجي

 

وأشار "فاروق" إلى أن النظام الإيراني، يتمتع بمظهر متماسك، من حيث العلاقات الحاكمة للمؤسسات المختلفة، إلا أنه في بنيته الأصيلة معتمد على سطوة الأفراد، ومدى نفوذ أساطيرهم الشخصية في البناء التشريعي للنظام والمجتمع ككل، بالتالي فإن غياب أحد الأفراد، خصوصًا شخص بتاريخية وأهمية وكاريزما "رفسنجاني"، يعني إعادة صياغة كاملة لكل التفاصيل السياسية، وما تخلفه من صدى اجتماعي، متوقعا أن تمر إيران بمرحلة حرب تكسير عظام بعد وفاة مهندس النظام، الذي تمكّن على مدار عقود من خلق حالة توافق -ظاهري على الأقل- بين مختلف الأجنحة المتصارعة، على اختلاف الأجيال التي مرت على الثورة الإيرانية منذ بدايتها.

 

أضاف أن الجيل الجديد طامح وطامع في شغل مكانة الأباء المؤسسين، ورغم الخلافات التي بدت خلال السنوات الماضية بين رفسنجاني وخامنئي، فإن كلاهما لم يتجاوز الخطوط الحمراء في الحفاظ على شكل نظام الولي الفقيه، بهذه الكيفية، رغم ما شابه من خلل أصيل خلال التجربة الإيرانية الحديثة، بل إن وجود خامنئي ذاته، ظل مرهونًا لمسافة طويلة بدعم رفسنجاني، الذي لعب كل أدوار البطولة على مسرح الحياة السياسية الإيرانية، ولن تمر نهايته بسلام أو استقرار إلا بعد فترة طويلة، تليق بالفراغ الذي خلفه، بحسب فاروق.

 

 

أما مصطفى اللباد، مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والإستراتيجية بالقاهرة ورئيس تحرير مجلة شرق نامه" المتخصصة في الشئون الإيرانية والتركية وآسيا الوسطى، فقال إن وفاة "هاشمي" تجعل الإصلاحيين والرئيس حسن روحاني يفقدون قوة كبيرة في مواجهة المحافظين والحرس الثوري، ما ينعكس حتما على نتيجة انتخابات الرئاسة المقبلة في مايو 2017.

 

كذلك تقلص دور الجيل، الذي عاصر الثورة الإيرانية، ولعب أدوارًا حاسمة خلالها، واحتفظ بنفوذ في مؤسسات الدولة الإيرانية، ليصبح راهن المرشد علي خامنئي فقط، مؤكدًا أنه لن يلعب أحد دور "رفسنجاني" كصانع ملوك عند وفاة المرشد الحالي، كما فعل عند وفاة الخميني، بتزكيته تولي خامنئي منصب الإرشاد، بل إن خلافة المرشد الحالي ستستند إلى شخصيات أخرى وموازين قوى مغايرة.

 

العنصر الأخطر وهو الخاص بالشأن العربي، من وجهة نظر اللباد، أن بوفاة "رفسنجاني" خسر التقارب الإيراني السعودي أبرز مؤيديه، ما يعني أن الخلافات بين طهران والرياض ذات الطابع الجيوسياسي والمتغطية بالطابع المذهبي، ستستمر في المدى المنظور على الأقل.

 

 

وهو ما اتفق مع تقرير نشره موقع "فورين أفيرز" الأمريكي ، مؤكدًا أن وفاة "هاشمي" تعد نقطة تحول في إيران، فلا أحد يمكنه سد الفارغ الذي أحدثه "هاشمي" جراء موته، فيما يخص قيادة المعسكر المعتدل "الإصلاحي"، باستثناء الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني، الذي يسعى لإعادة انتخابه في ولاية ثانية مايو 2017،  والرئيس الإيراني الأسبق، محمد خاتمي، الذي لم تمنح له من قبل المساحة السياسية التي تمكنه من القيام بهذا الدور على الإطلاق.

 

وأشار الموقع إلى أن وفاة "رفسنجاني" أثارت حالة من الجدل، ما يتسبب في حالة من الفوضى، بعدما تصاعد الأمل في التحديث والتغير التدريجي في الجمهورية الإسلامية، وأن وفاته لن تؤدي سوى لتعميق الصراع الطائفي في طهران، مشيرًا إلى أن "رفسنجاني" كان أحد أهم المناهضين للطائفية، واستطاع بقدرته الماكرة أن يبقى في أعلى المستويات السياسية، بحسب تعبير الصحفية.


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*