محمد نور فرحات يكتب:عدالة واجبة.. عدالة غائبة!!!

السبت , 05 مارس 2016 , 06:53 م آراء ورؤى


محمد نور فرحات


يستخدم الباحثون الغربيون مصطلحاً غريباً علينا عند حديثهم عن نظام العدالة، هو «إدارة العدالة Administration of justice»، ويقصدون به مجموعة النظم والمؤسسات والقواعد والتقاليد والقيم المهنية التى تؤدى إلى وصول الحقوق إلى أصحابها، وترسيخ الإحساس بالعدل والأمن والنظام فى المجتمع.

من الناحية الاجتماعية: يؤدى نظام العدالة الكفء والفعال إلى شيوع حالة من الوئام والاطمئنان الاجتماعيين. وهذه حالة لازمة لنزع التوترات من المجتمع، وتخلى أعضائه عن العنف أو الالتفاف على القانون لاقتضاء حقوقهم. ومن الناحية الاقتصادية: عبَّر آدم سميث، المُنظِّر التاريخى للنظام الرأسمالى المعاصر، عن أهمية نظام العدالة الكفء بقوله إن هذا النظام ضرورى لتمكين صاحب المشروع الرأسمالى من حساب الفرص المستقبلية بدقة، فيستطيع أن يتنبأ بدرجة مقبولة وعلى قدر من اليقين بالأرباح أو الخسائر عند إقدامه على النشاط الاقتصادى وحساب مخاطره وجدواه.

عندما نتحدث عن نظام العدالة فى دولة ما نبدأ الطريق من أوله: بتقييم نظام التعليم القانونى وهل يؤدى إلى تخريج قانونيين أكفاء أم لا؟ ثم تقييم التعليم الشرطى وما المعلومات والقيم التى يغرسها فى عقول وضمائر طلابه؟ ثم فحص القوانين النافذة، وهل تؤدى إلى وصول الحقوق إلى أصحابها فى يسر؟ وهل تُفضى إلى تحقيق العدل وردع الجريمة، أم أنها تؤدى إلى إشاعة الارتباك والفوضى وتمكين مخالفى القانون من الظفر بغنائمهم؟ ثم دراسة مؤسسات تحقيق العدالة، وتبدأ من الشرطة إلى القضاء وأعوانه، إلى الإدارات والأجهزة القانونية فى مختلف مؤسسات الدولة، إلى القائمين على تنفيذ الأحكام القضائية. وهل تبقى هذه الأحكام حبراً على ورق أم تجد طريقها إلى التنفيذ؟ كل هذه النقاط والأسئلة يجب أن تُطرح وأن يُجاب عنها بوضوح بعيداً عن الصياغات المفوّهة البليغة، إن شئنا أن يكون وطننا عادلاً حقاً بين مَن يعيشون فيه.

لا توجد إجابات بالمعنى العلمى على كل هذه النقاط والأسئلة.

عوَّدتنا وزارة العدل أن تنشر سنوياً مجلدات إحصاءاتها القضائية بكل تفصيلاتها، توضح فيها أعداد القضاة وأعداد القضايا، «وصلت فى آخر إحصاء متاح لنا إلى حوالى 15 مليون قضية ينظرها حوالى عشرة آلاف قاضٍ»، ونسبة الفصل فى القضايا القديمة، والجديد منها والمتبقى، وما تم تعديله أو إلغاؤه أو نقضه من أحكام وغير ذلك من معلومات مهمة لتقييم نظامنا القضائى. ثم فجأة توقف نشر الإحصاءات، وأصبحت المعلومات عن قضائنا غائبة عن الجميع منذ عام 2005، فلمصلحة مَن غيبة المعلومات التى بدونها لا يمكن تبنى أى رؤية موضوعية موثقة للإصلاح القضائى.

ومنذ عصر باسل باشا، حكمدار القاهرة فى القرن الماضى، حتى سنة 1996، ظلت وزارة الداخلية تصدر تقارير الأمن العام التى توضح بالأرقام حالة الجريمة فى مصر بكل تفصيلاتها، ما تراجع منها وما ازداد، وما نُفّذ من عقوبات وما لم يُنفذ. ثم فجأة صدرت التعليمات بوقف توزيع وإعلان هذه التقارير، واعتُبرت معلوماتها شديدة السرية. لمصلحة مَن تُحجب معلومات عن حالة الجريمة وجهود مكافحتها؟ هل لمصلحة المجرمين حتى يحيط بنشاطهم الكتمان، أم لمصلحة المسؤولين عن كشف الجريمة حتى لا يظهر تقصيرهم أمام الرأى العام، أم لشىء آخر لا نعرفه فى زمن عزَّت فيه المعرفة وانتشر فيه الرجم بالغيب والظن؟

وبكل وضوح نستطيع- وفقا لما توافر لدينا من معلومات وخبرات- أن نصف نظامنا للعدالة بالمعنى السابق عندنا بأنه نظام: معقد مرتبك ومربك، ويعوق وصول الحقوق إلى أصحابها، وعاجز عن تحقيق الردع العام والخاص فى زمن معقول.

كان من الطبيعى أن نبدأ بإمساك الخيط من أوله بالحديث عن التعليم القانونى باعتبارنا طرفا أصيلا فيه. ولكن المشهد العام الآن يستلزم الخروج عن الاتساق الأكاديمى بعد الحوادث المتكررة لانتهاكات الحقوق والحريات التى ارتكبتها الشرطة المصرية فى الآونة الأخيرة، حتى كاد الشارع المصرى يشتعل. وقبل أن ننخرط فى التحليل هناك مجموعة من الحقائق واجبة الإثبات، منها:

أولا: أن الحديث عن انتهاكات الشرطة باعتبارها مجرد تجاوزات وحالات فردية هو حديث يرمى إلى استمرار الحال على ما هو عليه، وتجنب أى خطوة حقيقية نحو الإصلاح. راجعوا أحكام القضاء وتقارير مؤسسات حكومية، كالمجلس القومى لحقوق الإنسان، لتعرفوا حجم التعذيب وامتهان الكرامة والاختفاء القسرى والقسوة التى يتعرض لها المصريون فى تعاملهم مع الشرطة ورحلة السجون وأماكن احتجاز المتهمين فى مصر.

الحقيقة الثانية: أنه من غير اللائق أو المشروع أخلاقيا أو إنسانيا أو دينيا الاحتماء وراء تضحيات رجال الشرطة ودماء شهداء الوطن المقدسة وأرواحهم الطاهرة لتبرير الانتهاكات التى أصبحت ظاهرة مألوفة فى حياة المصريين. مَن لا يرعون حرمة دماء شهدائنا هم مَن لا يتورعون عن مخالفة القانون وانتهاك الحريات كل يوم.

الحقيقة الثالثة: أنه لا يُجدى ولا يفيد ترديد القول بأن كل مهنة فيها الصالح والطالح، وأنه يجب ألا نأخذ المؤسسة الأمنية بأكملها بجريرة بعض أفرادها، فالأصل فى مؤسساتنا أن تكون صالحة لا طالحة، ومن واجبنا أن نتصدى ولو بالكلمة لكل ما هو طالح، خاصة بعد أن انتشر مداه وأصبح ظاهرة تهدد المجتمع بالخطر.

الحقيقة الرابعة: أن أحد أسباب اندلاع ثورة يناير 2011 انتهاكات الشرطة عبر السنين واستهانتها بكرامة الناس وبأرواحهم، وكان مقتل خالد سعيد القشة التى قصمت ظهر البعير.

الحقيقة الخامسة: أن هناك ثأراً بين بعض رجال الشرطة والثورة وشبابها ومؤيديها، وهذا له كثير من التجليات السلبية.

الحقيقة السادسة: أن أغلب القضايا التى يُتهم فيها رجال الشرطة بانتهاك حقوق المواطنين تنتهى إلى البراءة لا لسبب إلا لأن جهاز الشرطة نفسه هو المطلوب منه تقديم أدلة إدانة رجاله.

الحقيقة السابعة: أن هناك إحجاما رسميا عن معالجة هذا الملف بجدية بدعوى الخشية على استقرار الوطن. إن الاستقرار الحقيقى لن يتحقق إلا بتأمين الحرية، والحرية هى شرط الأمن المطمئن لا أمن الخائفين.

الحقيقة الثامنة: أنه رغم وجود رجال الشرطة فإن تجربة أمناء الشرطة، التى أراد بها الراحل شعراوى جمعة أن يُنشئ كادرا مدربا يقف فى المنطقة الوسط بين الجنود والضباط بأعداد محدودة، قد أثبتت فشلها وخطورتها على المجتمع، لعدة أسباب: منها ضعف التكوين الثقافى للأمناء، فجميعهم من خريجى المدارس المتوسطة التى يُشك فى قدرتها على تقديم تعليم حقيقى، وأنهم وإن كان أغلبهم من بيئات متواضعة «ولهم ولنا كل الشرف»، فإن طموحهم المادى أعلى من رواتبهم الوظيفية، ومنها أنهم بدلا من أن يكونوا عاملا مساعدا للضباط، عصب الجهاز الأمنى، أصبح عددهم الآن عشرات أضعاف الضباط، وأصبحوا محور عمل الأمن، خاصة فى التعامل مع الجمهور، ومنها أن هذا كله أدى إلى زيادة الانحراف بين كثير من قطاعاتهم، ومنها أنه تحكمهم عوامل نفسية ومهنية سلبية متشابكة، فهم يدركون أنهم أصبحوا عصب جهاز الأمن، وهم تتملكهم عوامل غيرة شديدة من المكانة الاجتماعية للضباط التى لا يرقونها إلا بإكمال التعليم القانونى، وغير ذلك الكثير.

تلك هى بعض الملاحظات التى قد يصيب بعضها وقد يخطئ، ولكن الأمر جلل يستحق المواجهة الجادة، ولا تُغنى فيها تصريحات المتحدث الإعلامى، ولن تحلها جذريا المبادرات الكريمة التى يقوم بها الوزير بتقبيل رؤوس الضحايا، وأرى ضرورة التوقف تدريجياً عن تجربة أمناء الشرطة، ونقل الأمناء الذين بلغوا سن الأربعين أو الخمسين إلى وظائف مدنية بنفس رواتبهم ومزاياهم. وأن يعود الضباط عماداً للعمل الشرطى، مع النظر فى التحرر من إرهاقهم- كشرط لتخرجهم- بالحصول على درجة فى القانون، والتركيز بدلاً من ذلك على العلوم الشرطية والقوانين المرتبطة بعملهم لرفع كفاءتهم. وأدعو إلى دراسة الاستعانة بخريجى الحقوق كمعاونين للإدارة كما كان مطبقا قبل 1952، وأدعو لأن تكون رقابة النيابة العامة على عمل الشرطة رقابة جدية ملزمة.

حكى لى أحد كبار المسؤولين الدوليين بمكتب حقوق الإنسان بالأمم المتحدة عندما كنت أعمل هناك، أنهم نظموا فى التسعينيات فى جنيف دورة تدريبية لعدد من ضباط الشرطة المصريين حول التحقيق الجنائى وضمانات حقوق الإنسان، فى نهاية الدورة وجهوا لكل الدارسين سؤالا واحدا: ماذا يفعل رجل الشرطة إذا كان موقناً أن متهماً بعينه قد ارتكب جريمة ما، ولكنه عجز عن توفير الدليل؟ كانت إجابتهم واحدة فى صوت واحد، أظنكم تحدسونها: لا بديل عن اللجوء معه للقوة!!! النصيحة وحدها والتدريب وحده لا يكفيان لإبراء ذمة الدولة، بل لابد من إعادة تصميم البناء بأكمله. كلنا مع الوطن، وكلنا مع الشرطة، وكلنا مع الحريات.. ولكن كيف؟

وللحديث بقية..

 

نقلا عن : المصرى اليوم 



مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*