"السهو والخطأ" و"استثمارات الحافظة".. أهم أسباب ضعف الجنيه أمام الدولار

السبت , 13 أغسطس 2016 , 03:32 م اقتصاد


محمود الخفيف


د.محمود الخفيف: قرض صندوق النقد الدولي "مزيد من الغوص في الرمال المتحرّكة"

أفاد الاقتصادي بمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الدكتور محمود الخفيف لـ"الطريق"، أن التغيرات في قيمة الجنيه أمام الدولار يمكن تحليلها واستشرافها من ميزان المدفوعات وبنوده، موضحًا أن هناك عوامل يمكن أن تؤثر على سعر الصرف في الأجل القصير، وهناك عوامل يمكن أن تدعم أو تؤثر في قيمة الجنيه مقابل العملات الأخرى في الأجل المتوسط والطويل. 

 وأشار الخفيف إلى إنه في السنوات والشهور الأخيرة كان الاتجاه العام هو ضعف سعر الجنيه مقابل الدولار، أو زيادة سعر الدولار مقابل الجنيه، وهذا راجع لزيادة الطلب على الدولار بسبب الزيادة المطردة فى عجز الحساب الجاري داخل ميزان المدفوعات، وهذا العجز راجع لضعف المنتج المصري والصناعة والزراعة بشكل عام، مما أدى للزيادات متوالية لما تدفعه مصر من دولارات لشراء الواردات من الخارج، وللضعف المستمر في الصادرات وحصيلتها من النقد الأجنبي، والتراجع النسبي للإيرادات من السياحة والتراجع في إيرادات الدولارية من قناة السويس. 

"السهو والخطأ" بميزان المدفوعات

وأكد الخفيف أن من أهم العوامل المؤثرة فى سعر الجنيه أمام الدولار في الأجل القصير هو بند "السهو والخطأ" بميزان المدفوعات، مُشيراً إلى أن قيمة هذا البند ضخمة للغاية مقارنة بالعجز الكلي فى الميزان، ذلك العجز الكلي الذى يساوي تمامًا كم النقد الأجنبي الذى خرج من البلاد فى فترة معينة (سنة على سبيل المثال)، موضحًا أن خروج أي نقد أجنبي يُدفَع من احتياطي النقد الأجنبي بالبنك المركزي، وبالتالى يؤدي أي عجز فى ميزان المدفوعات إلى نقصان مساوٍ لما لدى البنك المركزى من عملات أجنبية وبالتالى لضعف سعر الجنيه أمام الدولار. 

 في البداية أشار الخفيف إلى أن بند "السهو والخطأ" هو الفارق الحسابي بين إجمالي صافي كل تعاملات مصر مع العالم الخارجي والمقيدة رسميًا كبنود في ميزان المدفوعات، وبين قيمة التغير فى احتياطيات النقد الأجنبي بالبنك المركزي نتيجة خروج نقد أجنبي من البلاد غير مُقيّد رسميًا فى ميزان المدفوعات، هذا الفارق يُدرَج على أنه "سهو وخطأ"، ولذلك يشير هذا البند إلى مدى خروج دولارات من حدود البلد بوسائل غير رسمية مثل المعاملات الاقتصادية غير الرسمية والمشبوهة، أو التهريب، أو أي تجارة غير مشروعة.

 وأوضح الخفيف أن قيمة بند "السهو والخطأ" في الفترة يوليو- ديسمبر 2015 بلغت 3.7 مليار دولار، في حين بلغت قيمة العجز الكلي في ميزان المدفوعات عن نفس الفترة يوليو- ديسمبر 2015 نحو 3.4 مليار دولار، لافتًا إلى أن معنى هذا الكلام أنه إن لم يكن هناك "سهو وخطأ" وتعاملات غير رسمية كان ممكن لميزان مدفوعات مصر أن يحقق فائض قيمته 300 مليون دولار بدل من عجز 3.4 مليار دولار. 

 وأشار الخفيف إلى أن دلالة ضخامة حجم "السهو والخطأ" تشير إلى ضعف السيطرة على سوق العملات الأجنبية وخصوصًا مكاتب الصرافة، أو صفقات ضخمة تؤدي لتهريب أموال خارج البلاد بشكل غير رسمي وغير قانوني.

استثمارات الحافظة

وأضاف الخفيف أن ثاني عامل يؤثر على سعر الجنيه أمام الدولار في الأجل القصير، هو بند ما يسمى بـ "استثمارات الحافظة"، وصفًا إياها بأنها شديدة الخطورة، فهي "الاستثمارات" التي عادتاً ما تستهدف المضاربة في الأوراق المالية (البورصة) وشراء وبيع أدوات الدين الحكومي بالعملة المحلية (الجنيه(، وقد تدخل وتخرج "استثمارات الحافظة" من وإلى السوق المحلي في وقت قصير بعد تحقيق أرباح كبيرة وتستنزف بذلك جزء لا بأس به من احتياطيات البنك المركزي من النقد الأجنبي.

 في هذا السياق أشار إلى أن قيمة هذا البند في ميزان المدفوعات طبقًا للإحصائيات الرسمية، بلغت في الفترة يوليو- ديسمبر 2015 نحو 1.6 مليار دولار، أي أن هناك 1.6 مليار دولار خرجت من البلد بشكل رسمي نتيجة لما يسمى باستثمارات الحافظة، مُتسائلًا هل هناك من فائدة اقتصادية لمثل تلك المسماة استثمارات؟

 وأوضح الخفيف أنه إذا تم توفير مجموع بند "السهو والخطأ" مع بند "استثمارات الحافظة" في الفترة من يوليو- ديسمبر 2015 كان من الممكن لميزان المدفوعات أن يحقق فائض يقرب من 2  مليار دولار بدل من عجز 3.4 مليار دولار.

 واقترح الخفيف حلول لمعالجة هذا البند، مثل مراجعة قانون الاستثمار الذي يحمي الاستثمارات التى تستهدف المضاربة فى سوق الأوراق المالية أو في الدين العام بالعملة المحلية، وكذلك صياغة قوانين تحد من هذا الشكل من المضاربة، مضيفًا أنه يمكن فرض ضرائب دخول وخروج على رؤوس الأموال المُضاربة في البورصة، أو فرض حد زمني أدنى قبل السماح لخروج الأموال خارج سوق الأوراق المالية أو خارج البلاد.

عجز الميزان التجاري

وتطرق الخفيف إلى أدوات دعم الجنيه في الأجل الطويل، مشُيرًا إلى أهمية استهداف وتصحيح العجز المزمن فى الميزان التجاري "السلعي" و الذي بلغ ما يقرب من الـ 20 مليار دولار في الفترة من يوليو- ديسمبر2015، بما يماثل 6 أضعاف قيمة العجز الكلي لميزان المدفوعات في نفس الفترة.

 وأضاف الخفيف أن العجز في الميزان التجاري في زيادة مستمرة، مُفسرًا ذلك بأن تنافسية السلع المصرية تقل سواء في السوق المحلي فيزداد الاستيراد أو فى السوق الخارجي فيقل التصدير.

وأكد الخفيف على أنه يجب أن تكون هناك رؤية للدولة بعيدة المدى، تستهدف دعم الصناعة والزراعة لزيادة التصدير وخفض الاستيراد، وبدون هذه الرؤية وبدون خطط وإجراءات لتنفيذها، ستكون البلد في حالة هرولة دائمة وراء ضعف سعر صرف الجنيه أمام الدولار وباقي العملات الأخرى.

 

قرض صندوق النقد الدولي "مزيد من الغوص في الرمال المتحركة" 

وأضاف، قد يكون للقرض الـ 12 مليار دولار الذي تتفاوض مصر عليه مع صندوق النقد الدولي حاليًا تأثير إيجابي على المدى القصير على سعر صرف الجنيه أمام الدولار، ولكنه أكد أن هذا ليس حلًا على المدى الطويل. 

وأوضح أن شروط قروض الصندوق عادة ما تُزيد الأعباء والضغوط الاجتماعية على المواطنين، لأنها تُطلق عنان السوق وتُقلص دور الدولة فى توجيه النشاط الاقتصادي وتحد من قدرتها على وضع أي سياسة صناعية أو تجارية، وكل ذلك لا يساعد على تطوير ونمو الصناعة والزراعة لتقليل الواردات وزيادة الصادرات وتقليل عجز الميزان التجاري في المستقبل، الأمر الذى إن لم يتحقق سيستمر ضعف سعر صرف الجنيه أمام الدولار فى المدى المتوسط والبعيد. 

واختتم حواره بوصف قرض صندوق النقد الدولي بأنه يمثل "المزيد من الغوص في الرمال المتحركة" وقد لا يؤدى إلّا إلى أوضاع اقتصادية واجتماعية أكثر سوءً وبالأخص للطبقات الفقيرة والمتوسطة، وسيؤدي إلى نفس النتائج لأنها لنفس البرامج ونفس الشروط التى جُربَت وطُبقَت من قبل أكثر من مرة، وسيؤدى لنفس تبعات برامج "التثبيت والتكيف الهيكلي" التي صاغاه الصندوق والبنك الدوليان وانتهجته، وتنتهجه، الدولة المصرية وكثير من دول العالم الثالث منذ ثمانيات وتسعينات القرض الماضي. 

 ------------------------------------- 

هذا الرأي يعبر عن د. محمود الخفيف، وليس بالضرورة عن وجهة نظر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*