أسماء الشهاوي تكتب لـ"الطريق": ظبية علي فراش كهل

الأحد , 11 ديسمبر 2016 , 09:43 ص آراء ورؤى


أسماء الشهاوي


ليل مّهيب، وقمرٌ يفترش شهواته على طاولة المُؤنسين، كأسان يتعانقان على جذع شجرة عجوز فوق سطح الهرم الأوسط، وفستان عاري الظهر يئن بأوجاع الوشم المحفورة بدقة على أطراف المملكة اليمنى، يَصب أمطاره على جيوش التتر، فتُهزم الإمبراطورية العظيمة بين ضحى ونهار، وعّقد محبة بقبلة صامتة، تختبئ عن أعين الناظرين وسط الزحام، ونحن هنا لنختم الحُلم، ونكتب لكِ سطراً جديداً واقعياً.

يا امرأة إنكِ تنشبين بقلبٍ قد تعفن جثمان صاحبه، تصلد الشريان الأيسر له، وتمزق وريده العُلوي، بات كهلًا متصابياً، يهاجم بجنون كل ذات قدٍ مشيق، فكسا عظامه لحماً، وتأنق ببزةٍ زرقاء، ورابطة عنق وردية، ووضع وردة حمراء من بستان زوجته، التي ترعى الزهور وترعاه دائماً، ويا عزيزتي إن قلب هذا البائس الملعون، الذي يغسل روحك صباحاً بعظيم القول، كان يطوف حول بلدان صدر امرأته، ليرسم لها عقداً يليق بممالك جسدها، يتأرجح كالبهلوان على قرط الأذن اليمنى، لينال شرف اقتحام اليسرى، كان يتشوق لحرف جاحد من مبسم فمها، ويملأ كؤوس سهراتها بالدمع والترجي، يبتاع مراكب الهوى بكل ما يملك ليبحر في بحر عينيها الزرقاوتين، يفتح بريد صباحه برسائلها، ويقتحم واقعها دون أن يطرق لها بابًا، كان اسمها على هاتفه الروح، فهي الرعشة الأولى والصدمة الأولى والنجاة، وقال لها إنها غرناطة والفرات، وإن نزار كان يراها، عندما كان يكتب قصائده، وأن درويش طار الحمام من بين يديه ليلحق بها، كان يرسل خيوله بالموسيقى الصوفية الناعمة، وأغاني العشق الملتهب، وقال لها إنها الأولى والأخيرة كما أنتِ.

عزيزتي ما تزالين صغيرة على عشق رجلٍ يسير فوق الماء، يتفاوض مع الله ليغفر له خذلانه لنساء هلكت أرواحهم بفرط عشقه، تنتحر أضلعه حين يحب ولا يصاب شعب جسده بانقلاب، ويتسكع على المقاهي يشحذ من يشاركه الحديث، ويتسكع في الربوع حتى تتفكك عن جلده عظامُه وتتشقق أكعابه من الصقيع، ثم يعود إلى داره بوجهٍ كئيب، يسب كل سكان البيت، ثم يأكل طعامه، ثم يلعن إهمال زوجته، ثم يمارس الجنس عشر دقائق ثم ينام، ولا أظن أنه قرر أن يستحم بعد، فهو ليس بهذا الذكاء.

ويا امرأة.. إن السيدة التي تطل من نافذتها كل صباح، لتراكِ معه، لم تتجاوز الخامسة والثلاثين، وهي شقراء تتحدث ثلاث لغات وتعزف الكمان، وبيت أبيها أرستقراطي، وكانت تأكل في أوان من الفضة، وتسافر إلى أوربا مرة في كل عام، وهي التي ظننتِ أنها تجاوزت الستين، وأخبرك عنها أنها أشهرت كل الأسلحة الحديثة في وجه قلبه، وأن جثته تحت الركام تصرخ تناجيكِ، وتركها تمشط شعر طفلتها أمام شرفة غرفة نومها، المحاطة بالحديد الصدئ وأشجار تأكل الطعام مع شياطين السماء، تنظر إليكما في صمت، وتفكر إن كان له الحق أن يقتل إمرأتين، يطفئ حلمين، يسرق لنفسه الصبا مرتين، هل يستحق أن يمكث في أرض أخرى، تسعى وراء غفلته وإهماله وخياتنه، يستحق أن ترتدي ثوبك الأسود الفاتن، وتضعي هذا الكم من المساحيق.

سيدتي إن هؤلاء الذين يصنعون لكِ الحب جهاز تنفسك، هم أيضًا الذين يحضرون الحفل في بريقها، يستمتعون ويرقصون حتى التعب، ثم يرحلون في نفور، لاعنين عقلوهم، التي ساقتهم لدفع درهمٍ في شيء ظنوا أنه سيرضيهم، وأنتِ لا تزالين براقة لم يضاجعكِ شحوب الرجال، لا تزالين صغيرة على أن يطول صمتك، وتتوقفي عن البوح بالحزن والرغبات والاحتياج والحب، ولم يصبكِ الجنون حتى تكوني لرجل كتب على الورق شهادة وفاة لامرأة قبلك.


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*