أحمد عز العرب يكتب لـ«الطريق»: أرض الصفر "قصة قصيرة"

السبت , 24 ديسمبر 2016 , 06:09 م آراء ورؤى


أحمد عز العرب


أنا فوزي.. المكان بيت آيل للسقوط، مائة متر من نفق الزعفران، بحي منشية الصدر قرب العباسية - القاهرة، الزمان مطلع الألفية الثالثة. لكن هل يهم المكان أو الزمان؟! هكذا تحدث الخالدون، أما أنا ففانٍ. كنت أصاب بما يسمى الاكتئاب الدوري، يبدأ في يناير وينتهي في مارس، لم أعتبر نفسي مريضا قط، بل كانت هدنة ذهبية، اتفحص فيها حقيقتي عارية، فترة طفورها من باطني، أبصر عورتي القدرية، مصدر خجلى السري، الذي لا فكاك منه، ولا أطيق أن يكتشفه غيري، كنت أسقط من مصب الألم إلى منبعه، عند قعر الذات، أجوس بلا مسافة أرض صفرها إلى الجوهر، الذي لا ينقسم إلى ما هو أصغر منه وإلا انعدم. أعاين بشغف حزين، لكن بلا ألم، مستواي الجمالي، الذي لا عبور لعتبته، وأمنّي النفس بالنجاة، تجتاحني عرامة شوق جارف، بإمكان التقاط بثة الروح من لحمة الجسد.

رقدة سبات تستطعم فيها أنواع وحشية من المتع، كأن أفكر في إنهاء حياتي، لا لإنهائها فعليا، بل للاستمتاع بالمخاطرة التي تنطوي عليها فكرة العدم. الرضا بالقنوط، تحت عتبة الجمال المقدور، نقاوة صفاء مطلق، مقتلع من عذاب مركز في بؤرة لاهبة، تشرق عليها أنوار الآمال المؤجلة، التي تخدر أشعتها حسرة ما أجهض من حياة، انصرمت مع لحظات نساها الزمن.

نوبة الاكتئاب هذا العام ضربتها قاسية، كدت أغرق في موجتها العاتية، لا براء منها، ولا حتى بالسعادة السماوية، أنحني لرياح كاسحة -ففيم تنفع المعاندة،  مليارات السنين من التناسل والحب والضنى والموت والمقاومة، والنص الأزلي في لوحه المحفوظ، لم يقربه بشر، فك رموزه عبور عتبة الإنسان، والانضمام برشاقة الخالدين إلى عالم الآلهة.

الارتقاء الجمالي من الخميرة إلى الدودة، ومن الدودة إلى القرد، ومن القرد إلى الوهم، الأرجنين – الأنين – السيستين – الجلوتامين – الجلايسين – الفالين – الإيزوليوسين – ميثونين، من يمسك ريشة الخيال الحقيقية، يلون بها الحياة بألوان زاهية. كنت أتلذذ في عتمة الجدران الأربعة، بأشياء نادرًا ما تصورها بشر، يقين عجيب بقدرة متوهمة، كأنها إلهية، أخرج بها كبدي وكليتي من جسدي، أنقع نسيجهما في عصير الليمون، فيتخلل الحمض المطهر، اللحم القاني، كما يتخلل الماء خرقة الصوف، أتابع بسرور روحاني تأثير الكيمياء على ما يستقر داخلنا، في أثناء رحلتنا إلى الموت، أحس بلسعة الليمون، وسطوة التفاعلات على سطح الأنسجة، أقبض بكلتا كفّي على اللحم الحي الطري، أخضّه وأعجنه، وقد أصبحت أعضائي تحت سيطرة إرادتي الكاملة، حيث لا يقدر مشرط ولا آلة على الولوج، دونما تخدش أو تجرح، تنتعش الجدران اللحمية، داخل فصوص الكبد، وكؤؤس الكلى تنفض، وتنز ما لصق وترسب عليها من سموم وحصو ودهن، لكن لا تنهري أو تتهتك. ألتقط الكبد فأفتق بينه وبين الدهن، ألم خفيف له صوت كتوم أسعد به، وأنا أرى الدهن البشري الأصفر الملتصق ينسلخ عن اللحم، وكل نسيج سليم غير مخدوش، فألقي بالدهن بعيدا، متخلصا معه من ثقل السنين التي حملته فيها، ها هي الأعضاء طازجة نظيفة، مخلوقة من جديد، لم أتبين كيف حشوت أعضائي مرة أخرى، إلا أنه لا أثر لشق أو خياطة، ولكم حاولت استغلال هذه القدرة مع المخ والخصيتين، فلم أطق الألم وهزمني الرعب.

إنها الخامسة والنصف فجرا، صحوت منقسم الوعي، الجسد متقد دافىء، والروح مهدرة لا استطيع الهروب من السرير، استبسلت للنهوض، إلا أن توترا شديدا بين ساقيّ أحبط خطتي، لا بد أن أقوم وإلا حدث ما لا تحمد عقباه، إنه موعد امتحان حبي النادر، كريمة أختي، كانت ذاهبة إلى امتحان البكالوريوس، ولو تركت نائمة لن تستيقظ قبل الظهر. استجمعت قوتي ونهضت مسرعّا إلى الحمام، أغلقت الباب خلفي أولا، ثم ولعت النور، لم استطع والحال هكذا أن أتبول جالسا، أفرغت مثانتي واقفا، منحنيا قليلا إلى الأمام، حتى شعرت بالراحة والارتخاء، طرقع لسان كالون باب البيت، معلنا عودة أبي من الجامع، غسلت وجهي  خرجت إلى الصالة، تبادلنا التحية في روتين، وأنا متجه إلى المطبخ، وتركت خلفي البراد يغلي.

كانت علاقتي بكريمة خاصة وحميمية، وصلت إلى أعمق نقطة، كنت نجوت بأعجوبة من الموت في حادث مروع، لقى أغلب ركاب العربة مصرعهم، انقلبت العربة وتفجرت الدماء، وتقطعت الأشلاء، إلا أنني نجوت مكسور اليدين وأحد الاضلاع وساق، قُيدت في الجبس والشاش ستة أشهر كاملة، لا أقدر فيها على القيام لنفسي بشيء، عدت طفلا، لكن بلا أم، ما أشنع أن تُسلم كل خصوصيات جسدك لأخر، لكن تنقلب الشناعة نعيمًا، والذل عزًا إذا سلمتها لمحبوب حنون. ما أذهلني أنها لم تتأفّف من خدمتي طوال فترة العجز، كنت أحتاج أن أهرش أو أتمطّع فكانت أظافرها، بدل أظافري، وكفيها بدل كفي، كنت أخاف على نفسي من العجز الدائم أو الإعاقة، فكانت تضمني بحنان، فأبكي، كنت أرغب في التحرك، ولو شبر واحد على السرير، فما بين ثقل جسدي وخوفي من أي حركة خاطئة، كان ينتهي بنا الأمر أن يشكل جسدي وجسدها رسمة سيريالية فوق السرير. أصبحت أسير معروفها، فأحتلت مكانة في قلبي، لا تعادلها مكانة، نقلت سريرها إلى حجرتي طوال فترة الجبس، وكنا نسهر سويًا أسررت إليها بأفكار خطيرة، وأسرّت لي بأوهام وأحلام وأمنيات، هدم عجز إرادتي حواجز منيعة بيننا، لم تهدمها أخوة أحدى وعشرون سنة، هي تمام عمرها، تلاقينا بعد فراق سنوات، سرتُ أنا فيها في طريق التفكير الحر، وهي قنُعت بالإيمان والصلاة، صارت سعادتها أحد أهدافي الأساسية في الحياة، وصرت أبحث لها عن عريس فيمن أعرف من أصدقاء، ومن هو الجدير بأن تهبه جسدها الجميل، دلفت إلى حجرتها واقتربت منها في هدوء، كان قوامها الممشوق بارزًا تحت الغطاء، مسحت على ظهرها بحنان، ولممت شعرها المنكوش في ضفيرة، بحثت عن التوكة القماش لم أجدها.. كريمة.. كريمة.. أصحي .. الامتحان.


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*