مجدي عبد الحميد يكتب لـ"الطريق": ثورة يناير 2011 ملامح رئيسية ( 1 – 4)

الثلاثاء , 20 ديسمبر 2016 , 09:22 ص آراء ورؤى


مجدى عبد الحميد


مع اقتراب الذكرى السادسة لثورة يناير 2011، ربما يكون قد آن الآوان لإعادة قراءة المشهد ونحن على مسافه كافية للتامل بشيء من الهدوء للحدث الكبير الذي استمر 18 يومًا وما تلاه من أحداث مازلنا نعيش آثارها حتى اليوم .

وهذه محاولة من شاهد عيان عاش الأحداث لحظة بلحظة منذ بداياتها الأولى حتى وقت كتابة هذه السطور، لتقديم رؤية آمل أن تساهم في فتح وإدارة حوار نحتاجه جميعًا لفهم ما حدث وما آلت إليه الأمور ولماذا عشنا هذا المسار، وهل كان لزامًا أن نمر به بهذه الطريقة بالذات وأين نحن الآن وما الذي ينتظرنا في المستقبل القريب ؟

 ملامح رئيسية للثورة 

اعتقد بوجود ثلاث ملامح رئيسية لثورة يناير 2011 المصرية، وأن هناك عدد من الشواهد على وجود كل ملمح من الملامح الثلاثة بقوة، وأن رؤية الأحداث وتقييمها انطلاقًا من التركيز على هذا الملمح أو ذاك بشكل يستبعد تمامًا الملمحين الآخرين، قد ينتج عنه خطأ أو انحراف في فهم وتفسير ما جرى بشكل قد يجانبه الصواب.

أما عن الوزن النسبي لوجود كل ملمح من الملامح الثلاثة ودرجة تأثيره، فذلك أمر متروك للحوار والاستنتاجات التي قد يخرج بها طبقًا لزاوية الرؤية التي يري بها كل منا ذلك الحدث العظيم الذي عيشه الشعب المصري منذ يناير 2011 حتى الآن.

أولاً ملمح الثورة :

وهو ملمح حقيقيًا وأصيل ولا يمكن أن ينكره إلا جاحد أو مضلل، حيث شاهدنا، كما شاهد العالم أجمع وشهد على خروج عدد من ملايين المواطنيين والمواطنات إلى شوارع وميادين المدن المصرية في تظاهرات واعتصامات دامت دون توقف ثمانية عشر يومًا، مطالبه برحيل نظام مبارك ومتبنيه عدد من الشعارات التي تحمل كل معاني المطالبة بالتغيير مثل العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية وكل ذلك في إطار مطلب عام وأشمل بسقوط النظام .

وجاء أصرار الجموع المحتشدة في الميادين الكبرى في العاصمة القاهرة وبعض المدن الأخرى على عدم الرحيل وترك الميادين إلا بعد تحقق مطلبها الرئيسي الذي تطور سريعًا خلال الأيام الأولى للثورة من مجرد الاحتجاج على سياسات النظام القمعية وفساد الدولة التي أدت إلى إفقار الشعب وهدر كرامته إلى بلورة المطلب الرئيسي بضرورة رحيل النظام بالكامل، كما جاءت عمليات المواجهات الشرسة مع أجهزة أمن النظام وبلطجيته وتقديم المئات من الشهداء وآلالاف من الجرحى والمصابين فيى خضم تلك المواجهات، شاهد آخر على ذلك الملمح الذي أعطى التحركات الجماهيرية طابع الثورة الشعبية الحقيقية.

أن المشاركه الشعبية الواسعة، وطول المدة الزمنية، وطبيعة الشعار الرئيسي الذي تبنته الجماهير المحتشدة، والاتساع الجغرافي الذي شمل أغلب مدن مصر في وقت واحد، كل ذلك مع وحدة الهدف والكم الهائل من التضحيات وسرعة تفكك أجهزة النظام وأدوته السياسية بما في ذلك  جهازه الأمني وانسحابه بالكامل، وأخيرًا النتيجه النهائية التي حققتها تلك التحركات بإجبار مبارك رأس النظام على إعلان تخليه عن السلطة والرحيل، كل ذلك يؤكد على وجود ملمح الثورة بقوة ويدحض كل المزاعم التي تتحدث اليوم بكل تبجح عن أن يناير لم تكن اكثر من مؤامرة حاكها بعض المتامرين المرتبطين بخطط ومشاريع خارجية لهز استقرار مصر وتدمير كيان الدولة المستقره والذهاب بها إلى حيث مصير العراق وغيرها من الدول التي تعاني من التفكك والتقزيم واضعاف للدولة الوطنية الواحدة الكبيره المستقرة .

ثانيًا ملمح الانتفاضة 

يتشابه ذلك الملمح كثيرًا مع ملمح الثورة، حيث يوجد العديد من العناصر المشتركة بينهما وذلك من حيث حجم المشاركة الشعبية الواسعة، والانتشار الأفقي الواسع ووحدة الشعار أحيانًا، والمواجهات الواسعة مع الأجهزة الأمنية، وسقوط عدد كبير من الضحايا أثناء تلك المواجهات وطول المدة الزمنية في بعض الأحيان، جميع هذه العناصر تؤدي في كثير من الحالات إلى الخلط بين الثورة والانتفاضة، ولكن إذا ما حاولنا وضع الأمور في إطار أوسع نسبيًا، سنجد أن هناك فروقًا كبيرة لا يمكن إغفالها وعدم أخذها في الحسبان، تلك الفروق التي تفصل بين اتساع الثورة وشمولها ومحدودية الانتفاضة ونتائجها، ومن بين تلك الفروق الجوهرية ما يلي:

التنظيم والعفويه :

حيث يغلب على الانتفاضة الطابع العفوى بدءًا من لحظة الانطلاق وشكل وطبيعة الاستمرار، فجماهير الانتفاضة على عكس جمهور الثورة المنظمة، غالبًا جماهير لا تشكل كتل متوحده المطالب والأهداف ومنتظمة في أطر لها قيادتها التي تعبر عنها وعن تلك المطالب مثل النقابة أو الحزب السياسي أو حتى الروابط المتسعة التي تجمع بين فئات بعينها وتدافع عن مصالح تلك الفئات، حيث يمكن أن نجد عدد من الملايين المنتشرة في الشوارع في اعتصامات وتظاهرات، كل فرد أو جماعة صغيرة جدًا منها لا يجمعها مع باقي الأفراد سوى الوجود والمطلب العام الواسع جدًا  فقط لا غير، وبتعبير أدق لا تستطيع أن تجد بضعة آلاف ولو قليلة متواجدة في مكان واحد ويعبر عنها رمز أو قيادة واحدة تساهم في نظم حركتها وتوجهها .

مركزية القيادة والتخطيط 

وهنا أود الإشارة بداية ومنعًا للالتباس إلى إن مركزية القيادة والتخطيط  لا نعني بها قيادة الجماهير كما القطيع، أو توجهيها عن بعد ببعض الإشارات ولكن نعني بها وجود رموز وقادة تاريخيين سبق لهم العمل والاختبار مع كتل جماهيرية كبيرة ومتفق عليها وعلى دورهم التاريخي ومشهود لهم بالخبرة والكفاءة والإخلاص ويعبرون عن الضمير الجمعي للجماهير، بل ومختارين من قبل جماعاتهم التي يعبرون عنها للقيام بتلك الأدوارالقيادية في لحظات الثورة.

وفي هذه الحالة فقط تكون لهم المصداقية عند الجماهير والقبول والتسليم لهم بالقيادة التي تكسبهم قوة التفاوض والتمثيل للجماهير الواسعة الموجودة في الشوارع والميادين، وفي يناير 2011، غاب ذلك النوع من التواجد على مستوى الجماهير غير المنظمة وغير المنتظمة في أطر بعينها وبالتالي غابت القيادة التي نتحدث عنها.

البرنامج والبديل

يشكل وجود برنامج مطلبي ورؤية واضحة للبديل السياسي المطلوب ليحل محل النظام القائم برؤيته وبرامجه وسياسته، نققطة فاصلة بين الهبّه الجماهيريه العفوية، أو الانتفاضة ذات الطبيعة الاحتجاجية الغاضبة، وبين الثورة التي تسعى إلى إحداث تغيير حقيقي وشامل في شكل وطبيعة النظام السياسي القائم، وإحلال نظام سياسي اقتصادي اجتماعي بديل له، وهو الأمر الذي لم يكن حاضرًا في تحركات يناير 2011 .

القدرة التفاوضية والقوة التمثيلية 

تساهم العناصر الثلاث السابقة في تكوين ما يمكن اعتباره قيادة للثورة، لها مصداقية تمثيل الجماهير المتواجدة بالشوارع والميادين تمثيلاً اجتماعيًا وسياسيًا معبرًا بقوة عن مصالح وطوحات تلك الجماهير، وعن رغبتها الحقيقية في التغيير، ويعطى تلك القيادة القوة التمثيلية لجماهير الثورة أمام الرأي العام المحلي والإقليمي والعالمي ويساعد على سهولة حسم العملية الثورية لصالح تلك الجماهير ويضعف كل ما عداه من قوى الثورة المضادة ومحيطها الذي تناور به، وهو الأمر الذي غاب تمامًا عن تحركات يناير 2011 والذي حول الثورة كما رأيناها جميعا إلى مجرد تحركات جماهيرية واسعة استفادت منها القوى المنظمة الأكثر تماسكًا والأبعد ما تكون عن الثورة وأهدافها وطموحات جماهيرها في التعبير الحقيقي. 

ثالثًا ملمح الانقلاب :

إذا كان الانقلاب على سلطة ما هو عبارة عن قيام مجموع أو جماعة أو فئة ما من داخل السلطة أو النظام الحاكم بتحركات من شأنها الإطاحة بالنظام أو بجزء منه، غالبًا ما يكون رأسه وبعض المتعاونين معه وبعض رموزه الفكرية والسياسية المرتبطة به، وإذا كان الانقلاب لا يعنى بالضرورة، أو غالبًا لا يعني إجراء تغييرات كبيرة في تشكيل وطبيعة النظام ذاته ويغلب عليه طابع التخلص من هذه المجموعة أو تلك لتحل محلها مجموعة أخرى تعبر عن نفس المصالح والطموحات الاقتصادية والسياسية ولكن بصورة مختلفة نسبيًا أو في إطار إيديولجي آخر.

وإذا كان الانقلاب غالبًا ما يتم بمعزل عن الجماهير والحركات الجماهيرية، مع عدم نفيه لاستخدام تلك التحركات أحيانًا لصالح تنفيذ مخططاته إذا ما دعته الضرورة لذلك.

وإذا كان الانقلابيون غالبًا ما يعتمدون فى تنفيذ عملياتهم الانقلابية على قوة تضمن لهم نجاح محاولتهم الانقلابية , مثل الجيش , البوليس , رأس المال ....... وغيره من عناصر القوة.

فإن ما حدث في يناير 2011 بدرجة كبيرة لا يخلو من ذلك كله، حيث أظهرت نتائج ما بعد 11 فبراير 2011،  ومن قبل ذلك موقف الجيش ومجلسه العسكري بدءًا من 28 يناير 2011 وتحركات جماعة الإخوان المسلمين بدءًا من 25 يناير نفسه والأيام التالية حتى تخلى مبارك عن السلطة فى 11 فبراير وإزاحته عن قمة النظام السياسي فى ذلك اليوم، كما أظهرت التداعيات التي اتضحت تدريجيًا بعد ذلك،  والصراعات التى مر بها المشهد السياسي العام في البلاد منذ ذلك الحين وحتى الآن، أن ملمح الانقلاب لم يكن غائبًا على الإطلاق عن المشهد الينايري منذ لحظاته الأولى، بل وربما يمكننا القول بأن سيناريو الانقلاب كان أحد السيناريوهات المعدة مسبقًا والتي تم استحضارها مع الأيام الأولى لانطلاق ثورة يناير 2011 الشعبية.

أن ملمح الانقلاب هو الملمح الغائب الحاضر فى المشهد منذ 25 يناير، وربما يكون هو الملمح الذي يثبت مع الزمن إنه الملمح الأقوى والأكثر حضورًا وتأثيرًا، على الأقل إذا ما تناولنا ما جرى انطلاقًا من النتائج النهائية للحظات الثورة ذاتها وللحالة المستمرة معنًا حتى الآن .

وفي نهاية ذلك المدخل للمناقشة، لابد من الإشارة إلى أنه لم يكن هناك وجود كامل، أو غياب مطلق لأي من الملامح الثلاثة الرئيسية للثورة، حيث أن وجود الملامح الثلاثة كان حاضرًا بدرجات مختلفة ومتفاوتة ولكن لابد من الإقرار بأن الملمح الأقوى والأكثر حضورًا هو الذي حسم نتائج تحركات يناير الشعبية الثورية لصالحه، على الأقل حتى كتابة هذه السطور .



                                                                                                  


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*