دولة بائعي المترو.. عمل شريف أم جريمة يعاقب عليها القانون

الخميس , 29 ديسمبر 2016 , 05:14 م المجتمع المدني


المترو


فتاة صغيرة تبيع المناديل بالمترو، ضئيلة الحجم بملابس شديدة التواضع اقتربت بتردد من إحدى السيدات وطلبت منها  بخوف كتاب تعليم هجاء كان مع السيدة، قائلة: "ممكن آخد الكتاب دة أعلم بيه أختي الصغيرة وأدفع لك" وعندما أخذته مجانا سارت مبتعدة وعلى وجهها علامات من الفرح والسعادة.

"فرح"، 9سنوات، هي وأختها الأصغر بعامين، طالبتان بالصف الأول الابتدائي بنفس الفصل؛ قالت إنها وأختها وأمها يشترين المناديل من السوبر ماركت ليبيعوها بالمترو، وأنها قد لا تذهب للمدرسة لبيع المناديل؛ لأن والدها كان يعمل في مقهى، وتوفى ولم تجد الأم غير العمل في المترو لتكسب قوت يومها.

 

ويتسائل البعض  عن ما الذي يجعل المترو وسيلة مضمونة للرزق، رغم الملاحقة الأمنية المستمرة للبائعين، والمضايقات المختلفة؟!


الباعة الجائلين

قالت الناشطة الحقوقية في مجال العمال, هدى عبدالمنعم, إن عدد الباعة الجائلين  في مصر يقترب من 6 ملايين شخص, ومع الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر تزايد بشكل ملحوظ عدد البائعين  في المترو، والملفت للنظر أن البضائع لم تعد تقتصر على "المناديل والعسلية" بل أن شركات كبيرة لها اسمها وسمعتها  في عالم الموضة تعرض منتجاتها بالمترو، حتى أن الكتب والروايات أصبحت تباع في المترو.

المترو أربح

على عكس معظم البائعين الجائلين ملابسها كانت أنيقة، سيدة في الثلاثينات من العمر، يبدو من ملابسها وطريقتها في الكلام أنها على قدر كبير من التعلم، كانت تبيع منتجات لشركه من أشهر شركات مستحضرات التجميل.

قالت رشا إن راتبها قد يصل إلى 4500 شهريا من خلال تسويق منتجات الشركة بالمترو، لأنها تحصل على منتجات الشركة بسعر الجملة، وتبيعها في المترو قطاعي، وعند تحقيق عدد من النقاط تحصل على هديا إضافية لتبيعها أيضا بالمترو.

عمل شريف

وأضافت أنها تدربت على البيع في المترو ومستعدة لتدريب غيرها بشرط امتلاكه الجرأة الكافية وأنها تمتلك واسطة تجنبها الغرامة، مشيرة إلى أنه حتى لو تم القبض عليه فيتم معاملتها باحترام، وأنها تعتبر العمل في المترو عمل شريف وأنه لاعيب ولاحرام .

تربية الأسرة

أما سمية، بائعة كتب بالمترو فتقول إنها تشتري الكتب والخواتم بالدستة من الموسكي، وتأتي لتبيعها هي وزوجها بالمترو؛ لأنه أكثر الوسائل التي تضمن لها مبيعات كبيرة في وقت قصير، أنها تنزل إلى المترو بعد الظهر حتى تتجنب الغرامة، وأن المترو هو الوسيلة الوحيدة التي تكفل لها تربية أولادها الثلاثة في مراحلهم التعليمية المختلفة.

مقر ثابت

أكد أمين عام نقابة البائعين الجائلين المستقلة بالقاهرة عبد الرحمن محمد إن النقابة لا تضم إلا البائعين أصحاب المقر الثابت، أما المتنقلين ليسوا تحت مظلة النقابة، وذلك بسب صعوبة الوصول إليهم، مما يعيق النقابة عن الدفاع عن حقوقهم، وحلّ مشكلاتهم، رغم أنهم بحسب قوله، الأكثر عرضة للسجن.

 

وأضاف أن عدد البائعين في المترو بشكل خاص قد يصل إلى 70 بائعا على الخط الواحد، 90% منهم مؤهلات متوسطة وعليا، وأن 65% من البائعين يعملون لحساب تاجر واحد يمدهم بالبضاعة، و35% الباقين يعملون بشكل مستقل


بائعة كتب

أما خديجة، التي كانت تبيع كتب للأطفال، فقد قامت معدة التحقيق بالتعرف عليها بصفتها راغبة في العمل معها، قالت خديجة إن دخل العمل في المترو  يزيد عن 2000 جنيه شهريا، وأنها تبيع فوق الـ200 كتاب يوميا، خلال 3 أو 4 ساعات.

تأخذ خديجة الكتب من "محمد" صاحب شركة لبيع مستلزمات الحضانات، وتحصل على نسبة على عدد الكتب التي تبيعها، مضيفة أنه يجب خفض الصوت أثناء البيع، حينما يصل القطار للمحطة، ووضع الكتب في شنطة مدرسية حتى لا تنكشف.

أكدت خديجة أنها لم يتم القبض عليها إلا مرتين رغم طول مدة عملها، وألحّت خديجة على معدة التحقيق في طلب صاحب الشركة، وعندما تحدث هاتفيا عرض عليها أن تعمل مدرسة في حضانة، لكنه استطرد قائلا: "المرتب لن يزيد عن 800 جنيه".

وأضاف أنه حتى لو عُرضت البضاعة على المكتبات؛ فلن تصل المبيعات لنفس الكمية التي تتحقق بالبيع في المترو، وأن المطلوب فقط صورة البطاقة لاستلام البضاعة، على أن الاستلام سيتم في المترو.

متسولون ضحايا

قابلنا سيدة تتجاوز الأربعين من عمرها، رغم أنها كانت تبيع المناديل لكن مظهرها كان أقرب للتسول.

"هدى" مطلقة، تخلى عنها زوجها وأجبرها على التنازل عن حقوقها، لديها من الأولاد خمسة: ثلا ثة بنات متزوجات، وولدان: الأول متزوج وله ابنه رضيعه؛ لكنه مسجون بسبب تهربه من الجيش، والثاني طفل عمره 9سنوات.

تعمل هدى في المترو لتنفق على زوجة ابنها ونجلته، ولتستطيع زيارته، ولتدفع مصروفات طفلها الصغير بالمدرسة، ولتدفع 450 جنيها إيجار شقتها.

معاش مطلقة

أضافت أنها سعت لتأخذ معاش مطلقة من وزارة التضامن الاجتماعي، قائلة بأسى: "دخت لمدة شهرين، من الوزارة  للسجل المدني بسبب غلطة في اسم زوجها في ورقة الطلاق"، ثم صرفت نظر عن المعاش، لأن المبلغ كان ضئيلا ولن يكفي حتى لدفع إيجار البيت.

وأكملت حديثها بأن مكسبها في اليوم يتراوح بين 60 و80 جنيها، لكن إذا تم القبض عليها فهي لا تعتبر بائعة؛ ولذلك لا يكتفِ الضابط بغرامة الثلاثين جنيه، بل يأخذ كل ما كسبت ويحرر لها محضر وتُسجن، وهي مستعدة للتخلي عن العمل في المترو لو وفرت لها الحكومة كشك لتبيع فيه بأمان.

 والتقينا بنموذج غريب "أم فهد"، دخلت أم فهد المترو مجهشة بالبكاء، ونادت على بضائعها  بلغة غير واضحة، لكونها تعاني من ثقل في اللسان، وقالت باكية إنها تأخذ معاش والدها 3000 جنيه، وقالت: "الحمد لله إن معاش أبويا مخلانيش أتذل أكتر من كدا".

لكنها حريصة أن تجهز بناتها الثلاث أحسن جهاز، وقالت مفتخرة إن ابنها في جامعة بالتجمع الخامس مصاريفها 2000 جنيه شهريا، وبالتالي فالمعاش لا يكفيها، مضيفة أنها لم تخبر أولادها أنها تبيع في المترو، بل قالت لهم أنها تعمل في مستشفى، وأنها مستعدة للذل لتكرم أولادها.

الحل الأمني

قال المتحدث باسم الشركة المصرية لإدارة وتشغيل المترو أحمد عبد الهادي إنه إذا تم القبض على بائع من علي رصيف المحطة أو داخل أحد القطارات يتم تحصيل غرامة 50 جنيها من البائع نفسه و100 جنيه من المتسول ولو امتنع عن دفع الغرامة يتم عمل محضر له وتحويله للنيابة العامة.

تراخيص للباعة

 ورفض عبد الهادي اقتراح عمل تراخيص للبائعين للحل المشكلة, موضحا أن الشركة مهمتها تشغيل المترو، وتأمين وصول الراكب للمحطة بأمان وأن مثل هذا  الاقتراح مرفوض بشكل قاطع.

 

في النهاية بين الاتهام الذي تلاحق به الدولة بائعو المترو، والعمل الشريف والضحية الذي يرون فيه أنفسهم، تستمر جمهورية بائعو المترو في النمو، رغم كل الملاحقات.


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*



الاكثر مشاهدة لهذا القسم