مصطفى البرغوثي يكتب لـ«الطريق»: فلسطين ليست بحاجة إلى معايير كيري

الإثنين , 02 يناير 2017 , 11:41 ص آراء ورؤى


مصطفى البرغوثي- الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية


أخيرًا، تجرأت إدارة أوباما، ممثلة بوزير خارجيته كيري، وقذفت حكومة نتنياهو بالحقائق المرة. 

وبعد تأخير دام ثماني سنوات، وفي ساعاتها الأخيرة، قالت الإدارة الأمريكية ما صمتت عنه، رغم أننا قلناه مرارًا وتكرارًا، إن الاحتلال والاستيطان يقتل إمكانية قيام دولة فلسطينية، ويدمر فرص السلام، وإنه لا بديل لحل الدولتين، إلا الدولة الواحدة، وإن في إسرائيل الحكومة الأكثر يمينية في تاريخها، وإن عناصرها الإكثر تطرفا توجه مسارها.

وإن مستقبل المنطقة في خطر داهم، بسبب سياستها.

وإن من يختلف مع إسرائيل، يُوصف بأنه معادٍ لإسرائيل وللسامية. وإن السلام مع العرب مستحيل، دون تلبية حقوق الشعب الفلسطيني، وإن جوهر المشكلة، الاحتلال الذي تحول إلى منظومة فصل لمعازل، وإن الاستيطان يلتهم أكثر من 60% من أراضي الضفة الغربية المحتلة.

وباختصار، فإن كيري حذّر إسرائيل من أنها أنشات وتُكرّس منظومة "أبارتهايد"، دون أن يتجرأ على لفظ الكلمة، التي أطلقها الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر، منذ سنوات.

قال كيري إن عدد المستوطنيين زاد في عهد أوباما بمائة ألف. لكنه لم يقل إن تقاعس إدارته عن مواجهة إسرائيل وعن إجبارها على وقف الاستيطان، السبب.

ولم يذكر كيف تخاذل أوباما أمام ضغط نتنياهو، وتراجع عما وعد به، خلال خطابه في القاهرة في عامه الأول، بالعمل على وقف الاستيطان.

والواقع أن إدارة أوباما، بكلمات كيري، شجّعت إسرائيل على الإمعان في عنجهيتها، إذ كانت الإدارة الأكثر دعما لإسرائيل في تاريخها، وفي عهدها صارت الولايات المتحدة تقدم لإسرائيل أكثر من نصف مساعداتها العسكرية للعالم بأسره، وتمنحها أفضل أسلحتها، وتعارض كل من ينتقدها، وتحارب حركة المقاطعة ضدها. وأقرت منحها مساعدة عسكرية غير مسبوقة، بقيمة 38 مليار دولار . غير أن كل ذلك لم يحمِ كيري من وقاحة نتنياهو، الذي خرج يصفه بالمهووس، والمزيف.

كما لم ينقذ الانحياز لإسرائيل أوباما، من الإحراج المذل، الذي سبّبه له نتنياهو في عقر داره في الكونجرس الأمريكي.

غير أن أهم ما ورد في خطاب كيري، المعايير التي اقترحها للتسوية، التي لا يمكن للشعب الفلسطيني أن يقبلها.

إذ لا يمكن أولا، أن نقبل وصف نضالنا العادل والمشروع، بالإرهاب والتحريض.

ولا يمكن أن نقبل معارضة كيري لحقنا في المقاومة الشعبية، ومن ضمنها حركة المقاطعة، وفرض العقوبات، وسحب الاستثمارات من إسرائيل.

ولا يمكن القبول بفكرة الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، لأنها تعني نسف حقوق مليوني فلسطيني، ممن نجحوا في البقاء في أراضي 1948، ونسف حق العودة.

ولا يمكن لأحد قبول استبدال حق عودة اللاجئين، بالتعويض المالي والتوطين في بلاد غريبة عن وطننا. وإذا كان كيري يريد العودة إلى قرار 181، فعليه أن يتذكر أن الدولة الفلسطينية، حسب ذلك القرار، تشمل يافا والجليل والمثلث وأجزاء من النقب.

ولا يمكن استبدال فكرة إنهاء الأحتلال عن كامل الأراضي المحتلة عام 1967، بتعديلات في الحدود بهدف منح الشرعية للكتل الاستيطانية، التي أكد المجتمع الدولي عدم شرعيتها.

ولا يمكن استبدال حقنا المعترف به في القدس العربية المحتلة، كعاصمة لدولة فلسطين، بصيغة عائمة وغامضة مثل (عاصمة لدولتين)، ما قد يعطي المجال لإسرائيل لطرح استبدال القدس كعاصمة، بأحد الأحياء في محيطها كالعيزرية أو أبوديس.

وحرية العبادة لا تتعارض مع حقنا في السيادة الكاملة على قلب القدس، البلدة القديمة، والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة.

أما الأمن، فلا يجوز طرحه باعتباره حاجة إسرائيلية فقط، وتجاهل حق الفلسطنيين فيه. فنحن لا نملك جيشا كالجيش الإسرائيلي، ولا نملك أربعمائة رأس نووي، ولا طائرات إف -35، ولا غواصات نووية. ومن يحتاج إلى الحماية هو الشعب الفلسطيني، قبل غيره.

لقد قدّم كيري، متأخرا، كثيرا من التحليل والمقدمات الصحيحة، ويسجل له ذلك، لكن استنتاجاته ومعاييره، التي طرحها، كانت خاطئة وضارة.

فلسطين ليست بحاجة إلى معايير جديدة. تكفيها القرارات الدولية والقانون الدولي، وقرار محكمة العدل الدولية في لاهاي، وما يُجمع عليه العالم بضرورة إنهاء الاحتلال، الذي يصل عمره إلى خمسين عاما، وتصحيح آثار النكبة، التي اقترب عمرها من سبعين عاما.

لقد اصطدمت إسرائيل وسياستها الاستيطانية، بشكل عنيف، بالمجتمع الدولي، خلال الأيام الماضية. تجلى ذلك في مجلس الأمن، وفي عربدة وتشنج نتنياهو ضد عشرات من دول العالم. والفضل في ذلك يعود إلى نضال الشعب الفلسطيني ولصموده ومقاومته.

الفضل يعود للمقاومة الشعبية والمقاومة السياسية والدبلوماسية ولحركة المقاطعة وفرض العقوبات الصاعدة في كل بلدان العالم. (BDS)

اليوم تتصاعد عزلة إسرائيل، ويستمر التغير في ميزان القوى لصالحنا، وتترسخ قضية فلسطين، باعتبارها كما قال نيلسون مانديلا: "القضية الأخلاقية الأعظم في عصرنا".

وكل عام وأنتم وفلسطين بخير.


مقالات واخبــار ذات صلة


ارسل تعليقا على الخبر

*

*